اجتماع سقيفة بني ساعدة.. قراءة تحليليّة واقعيّة للحدث 1/ 2

‏بعدَ أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقبل أن يدفن تنادى الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة.

والسَّقيفةُ: بناءٌ مسقوفٌ واسع، له جدران من ثلاث جهات والجهةُ الرابعة مفتوحة، ترتفع أرضيتها قليلًا عمّا حولها، وسقفها من جذوع الأشجار وجريد النخل غالبًا، يجتمع فيها أبناء القبيلة للبحث في قضايا القبيلة، أو للتّواصل الاجتماعي بالسّمر والمؤانسة؛ فهي شبيهة اليوم بالديوانيّات والمضافات المختصّة بالعائلات.

في سقيفةِ بني ساعدة اجتمع الأنصار للبحث في وضع الدَّولة عقب وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفيمن يكون الأمير، وكذلك كان هناك اجتماع مماثل للمهاجرين مع أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه.

لماذا لم يحدّد رسول الله صلى الله عليه وسلّم الخليفة؟

هذا الحراك السّياسي العاجل بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يدلّ على أمور عدّة من أهمّها:

أولًا: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يستخلف أحدًا بعده، بل جعل الخلافة أمرًا متاحًا للنّاس ليختاروا هم مَن يحكمهم، فلم يحدّد طريقةً أو شكلًا لاختيار الحاكم، بل جعل الأمر خاضعًا لإرادة النّاس واحتياجات الواقع المتغيّر.

ثانيًا: أنّ هذا الحراك العاجل يدلّ على أنَّ المجتمع يملك درجةً عاليةً من الوعي السّياسي، وهو نتاج التربيّة النبويّة، وهذا يحمّل القيادات السّياسيّة مسؤوليّة تعميم الوعي السّياسي في الأوساط التي يحكمونها أو يديرونها.

ثالثًا: مسارعةُ الصّحابة لبحث قضيّة الحكم تدلّ على إدراكهم خطورةَ أن تعيش الأمّة فراغًا وشغورًا في منصب الحاكم والقائد، وهذا ليس متعلّقًا بالتّنافس على الحكم كما يحلو للبعض أن يصوّره بل هو علامة إدراك لأهميّة القضيّة والحرص على إبحار السّفينة بسلاسة في ظلّ العاصفة الهوجاء التي أحدَثَتها وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

كيف يختارُ الأنصار حاكمًا منهم دون استشارة المهاجرين؟!

في لقاءِ الأنصار في السّقيفة وصلوا إلى اتّفاق على أن يكون سيّد الخزرج سعد بن عبادة خليفةً لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد تمّ هذا الاختيار دون حضور أحد من المهاجرين.

وإنَّ محاولة تفسير المشهد لا تعني بحال من الأحوال تبريرَه، وفي تفسير هذا المشهد يمكننا القول:

من الطّبيعيّ أن يتبادر إلى أذهان الأنصار أنّهم المعنيّون بقضيّة الخلافة بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لكونهم أهل البلاد الأصليّين الذين تبوّؤوا الدّار والإيمان من قبلُ واستقبلوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه.

ومن الطَّبيعيّ أن يستشعروا أنّ ارتباط المهاجرين بالمدينة إنّما هو بسبب وجود رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيها، وأنّهم بعد وفاته يمكن ببساطة أن يرجعوا إلى مكّة المكرّمة بلدهم الأصلي الخاضع لدولة الإسلام الذي لا يحول بينهم وبين الرّجوع إليه حائل.

وفي النّهاية كان هذا تقديرًا قدّروه قبل وصولِ وفد المهاجرين إلى الاجتماع، وفي مواقف كهذه تغدو الاجتهادات السياسيّة مسوّغةً ومفهومةً، وليست بحاجة إلى تحميلها أكثر مما تحتمل، فهي لا تعدو كونها جزءًا من مشهد الحراك السياسي الذي يحصل في أيّ مجتمع عند حدوث الفراغ الدّستوري.

والتّعامل مع الصّحب الكرام بهذا المنطقِ الواقعي الذي لا ينزع إلى المثاليّة والقداسة هو الذي يجعلنا نرى المشهد طبيعيًّا في سياقه الزَّمني.

انضمام المهاجرين إلى اجتماع السّقيفة

وصل خبرُ اجتماع السّقيفة إلى المهاجرين الذين كانوا منشغلينَ بقضايا متعلقة بتجهيز ودفن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عندها قال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما: “يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار”، فانطلقوا وفي الطّريق لقيهم رجال سألوهم أين تريدون؟ فقال عمر: “نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار”، وحاول البعض ثنيهم عن إكمال طريقهم والالتحاق بالجمع خوفًا من حدوث خلاف في هذا الوقت الحرج غير أنّ عمر رضي الله عنه أصرّ على الاستمرار لشهود الاجتماع والمشاركة فيه.

وفي هذا المشهد دلالاتٌ أهمّها:

أولًا: لم يتّخذ قادة المهاجرين موقفًا سلبيًّا بعد بلوغ خبر اجتماع الأنصار، ولم يتعاملوا مع المشهد بحدّة أو ردّ فعل، بل تعاملوا معه بهدوء بالغٍ واتّزان كبير، ففي الأزمات الكبيرة لا تثمر الردود الانفعاليّة شيئًا سوى الشّقاق وتفتيت الصّفّ.

ثانيًا: حرَصَ المهاجرون على إشاعة مفهوم الأخوّة في هذا الجوّ العاصِف فنرى تأكيد عمر على استخدامها في كلّ عباراته التي يصفُ بها الأنصارَ في هذه الحادثة، وهذه الرّوح عندما تسود في الأزمات الكبيرة تساعدُ على تماسك الجبهة الدّاخليّة بخلاف التّخوين والتشكيك واتّهام النّيات الذي لم يرد على لسان أحدٍ من المهاجرين في الحديث عن تصرّف الأنصار.

ثالثًا: حرَصَ المهاجرون على المشاركة بوفد مكوّن من ثلاثة أشخاص فقط وهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة رضي الله عنهم، وفي هذا رسالة إيجابيّة للمجتمعين بأنّ المهاجرين قد قدموا من أجل الحوار والنّقاش لا من أجل فرض رأي عبر استعراض قوّة أو عدد.

ولعلّ الحدث الأبرز في يوم السّقيفة هو المداولات التي حدثت والنقاشات التي جرت ومآلاتها، وهذا ما سنتوقّف عند تفاصيله -بإذن الله تعالى- في المقال القادم.

المصدر : الجزيرة مباشر