عندما تقاوم الشعوب الاستبداد بالأدب.. “قضية السفهاء” نموذجًا!!

الخديوي عباس

 

استخدمت السلطات قانون العقوبات لتقييد حرية التعبير عن الرأي، ولمعاقبة كل من يقاوم الاستبداد.. وكان من أهم النصوص التي استخدمتها في سجن الصحفيين والأدباء الأحرار تلك التي تعاقب على “العيب في الذات الخديوية”، حيث قامت بالحكم على الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي بالسجن لمدة ستة أشهر.

وقد عُرفت تلك القصة في التاريخ المصري باسم “قضية السفهاء”، وبدأت عندما عاد الخديوي عباس حلمي الثاني إلى القاهرة من رحلته إلى مدينة الإسكندرية عام 1897، فقامت مجلة (الصاعقة) اأاسبوعية بنشر قصيدة، من أهم أبياتها:

قدومٌ ولكنْ لا أقولُ سعيدُ ….. وملكٌ وإنْ طالَ المدي سيَبيدُ

بعدتَ وثغرُ الناسِ بالبشرِ باسمٌ ….. وعدتَ وحزنٌ في الفؤادِ شديدُ

تذكّرنا رؤياكَ أيامَ أُنزلِتْ ….. علينا خطوبٌ من جدودِكَ سُودُ

رمتْنا بكم “مقدونيا” فأصابَنا ….. مصوبُ سهمٍ بالبلاءِ سديدُ

وكمْ صارَ شملٌ للبلادِ مُشتتًا ….. وخربَ قصرٌ في البلادِ مَشيدُ

وسيقَ عظيمُ القومِ منا مُكبَّلًا ….. له تحتَ أثقالِ القيودِ وئيدُ

فما قامَ منكمْ بالعدالةِ طارفٌ ….. ولا سارَ منكمْ بالسدادِ تليدُ

كأنّي بقصرِ الملكِ أصبحَ بائدًا ….. من الظلمِ والظلمُ المبينُ مُبيدُ

انتشرت القصيدة في مصر بعد صدور مجلة (الصاعقة)، وقام طلاب المدارس بنسخها وتبادلها، فكان من الواضح أنها عبّرت عن رأي الشعب الذي أصابته خيبة أمل في الخديوي عباس.

تم إلقاء القبض على أحمد فؤاد صاحب مجلة الصاعقة ورئيس تحريرها، ومحمد الخيامي صاحب المطبعة التي تُطبع فيها المجلة، وعندما قامت النيابة بالتحقيق مع أحمد فؤاد، قال إنه هو الذي نظم القصيدة، وإنه سينشرها مرات عديدة ليتم تداولها بين الناس، لكن وكيل النيابة يوسف سليمان الذي يقوم بالتحقيق لم يقتنع بكلامه.

اعتراف المنفلوطي

قام وكيل النيابة بالضغط على مدير المطبعة حتى اعترف بأن الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي هو من نظم القصيدة، فتم إلقاء القبض عليه وتقديمه إلى المحكمة.

في تلك القضية تميّز الصحفي أحمد فؤاد بالجرأة والشجاعة، فوقف يدافع عن نفسه في المحكمة بأن الشعب يشعر بالحزن لعودة الخديوي، وأن هذا الخديوي لا يستطيع الشعب أن يحبه، فالناس يتحدثون عن ظلمه وأبيه وأجداده.

فحكمت المحكمة على أحمد فؤاد بالسجن عشرين شهرا وغرامة 30 جنيها (وهو مبلغ ضخم جدا بمقاييس ذلك الزمن)، وعلى مصطفى لطفي المنفلوطي بالسجن ستة أشهر، وغرامة 20 جنيها.

رغم أنف المنافقين!

لكن القصيدة ظلت تنتشر في مصر ويحفظها طلاب المدارس، ويتناقلها الناس.. فماذا يفعل الخديوي؟!

هنا برز دور المنافقين -وهم كثيرون في كل عصر ومصر- حيث تطوع الصحفي سليم سركيس بالبحث عن شاعر يعيد بناء القصيدة لتصبح مدحا للخديوي وليس هجاء له.. وتمكّن سركيس من إقناع الشيخ عثمان الموصلي بذلك.

لكن القصيدة التي نظمها عثمان الموصلي لم تنتشر في مصر، رغم أن معظم الصحف المصرية نشرتها وعلى رأسها (المؤيد) أكثرها انتشارا وتأثيرا.

لم يتذكر قصيدة الموصلي أحد، وكان مصيرها الإهمال مثل كثير من قصائد المنافقين ومقالاتهم وكتبهم، بينما يذكر شعب مصر بكل فخر أحمد فؤاد ومجلة الصاعقة ومصطفى لطفي المنفلوطي وقصيدته.

الخديوي يفقد شعبيته

لكن ما الذي جعل شعب مصر يتفاعل مع قصيدة المنفلوطي، وكيف عبّرت عن الرأي العام؟

عند توليه الحكم، حاول الخديوي عباس التقرب من الحركة الوطنية المصرية بعد أن شعر أن اللورد كرومر يعامله باحتقار، وبالغ في إذلاله في كثير من الأحداث، ولم يستطع الخديوي الدفاع عن كرامته أو المطالبة بجلاء الإنجليز عن مصر، لأنه كان -كما تصفه زوجته الأميرة جويدان في مذكراتها- حاكما ضعيفا كبير المطامع.

لقد خذل الخديوي عباس الحركة الوطنية المصرية بعد أن علّقت آمالها عليه في كفاحها لتحقيق الجلاء، مما دفع مصطفى كامل إلى الابتعاد عنه وإصدار جريدة (اللواء) عام 1900.

تقول الأميرة جويدان زوجة الخديوي عباس، إن اللورد كرومر “كان مضطرا لمخاطبة الخديوي بلقب صاحب السمو، وهو يعلم أنه ليس له من الأمر إلا هذا اللقب”.

وتضيف “كان الخديوي عباس محبا للمال، فهو يري أنه أهم شيء في الحياة، وقد فهم الدون جورست -الذي تولى منصب المندوب السامي البريطاني بعد اللورد كرومر- طبيعته، فساعده على أن يوسّع تجارته، وينمي ثروته”.

هل يمكن أن يكون الحاكم تاجرا؟!

تقول الأميرة جويدان إن الخديوي “كان تاجرا أكثر من التجار، يزن الأشياء بمقدار ما تدره من الأرباح، ولا يكسب إلا مبالغ جسيمة، ولا ينفق القرش إلا في موضعه، والاقتصاد (تقصد البخل) مذموم في الملوك بقدر ما هو ممدوح في الأفراد (والناس يكرهون البخلاء).. وكان يأمر بالملابس إذا تقطعت بطانتها أن لا تُرمي ولا تُهمل، بل تُعمل لها بطانة جديدة، وكان المال لا يتسرب من بين أصابعه، فكان يقول لي: إنني أعرف كيف أحافظ علي المال”.

تضيف الأميرة جويدان “كان الخديو في بداية كل عام يضع ميزانية لمشروعاته المعمارية في القاهرة، فإنه كان ينشئ في كل عام عمارة.. حتى أصبح يملك أحياء بأكملها، وكنا في المساء نخرج متنكرين للإشراف على ما تم من البناء، وكان الخديو يصعد ” السقايل ” ويتنقل بينها بخفة مدهشة، وكان إذا مر علي عمارة أدرك عيوبها على الفور، وكانت ملاحظاته دائما في محلها.

فقد كل أصدقائه!

تضيف الأميرة جويدان “الخديوي عباس لم يكن له أصدقاء بمعني الكلمة، فرفاق الصبا أصبحوا ياورانا أو تشريفاتية فقط، وأما صداقة الماضي فلا ذكر لها، والحكام يعيشون دائما في دائرة منعزلة، فلا هم بقادرين على النزول عن مستواهم، ولا أفراد الشعب بقادرين على النظر إليهم إلا باعتبار أنهم حكام”.

هذا هو الخديوي عباس حلمي الثاني كما وصفته زوجته الأميرة جويدان، فهل أدرك أحمد فؤاد ومصطفى لطفي المنفلوطي الحقيقة مبكرا قبل أن يكتشفها مصطفى كامل فيقرر الابتعاد عنه بعد أن أدرك أنه يشكل عقبة أمام تطوير كفاح الشعب المصري من أجل تحقيق الجلاء؟

من الواضح أن الأديب يمكن أن يمتلك القدرة على القراءة الصحيحة للواقع والمستقبل، وقد استجابت الجماهير لرسالة الأدب، فوفر طلاب المدارس لقصيدة المنفلوطي فرص الانتشار رغم كل محاولات السلطة لتقييد قدرة الأدب على مقاومة الاستبداد.

واستجاب شعب مصر لأدب يعبّر عن أشواقه للحرية وللجلاء والاستقلال، بعد أن خاب أمله في الحاكم الشاب الذي حاول تقديم نفسه في البداية قائدا للحركة الوطنية.

عباس يحلم بالخلافة

رغم شعور شعب مصر بخيبة الأمل في عباس، فإن المنافقين التفوا حوله، وصوروا له أنه يمكن أن يكون الخليفة العربي -رغم أصوله الألبانية- بديلا للخلافة العثمانية، وتبنت هذه الفكرة جريدة (المؤيد)، حيث حاولت ترويجها بشكل غير مباشر.

وردّا على ذلك، قال مصطفى لطفي المنفلوطي:

أعبّاسُ ترجو أن تكونَ خليفةً ….. كما ودَّ آباءٌ ورامَ جدودُ

فيا ليتَ دنيانا تزولُ وليتَنا ….. نكونُ ببطنِ الأرضِ حينَ تسودُ

لكن هؤلاء الذين نافقوا الخديوي، وصوروا له أنه يمكن أن يكون خليفة للعرب، خاب أملهم فيه أيضا لضعفه وحبه للمال.

كما فهم الدون جورست حقيقته، فصور له أنه يستطيع تعيين الوزراء، بينما كان جورست هو الذي يوحي إليه بتعيينهم، ومن أهمهم رئيس الوزراء بطرس غالي.

لذلك، قال مصطفى لطفي المنفلوطي:

ألا رايةٌ للعدلِ في مِصرَ تخفقُ ….. لعلَّ مساعيَ دولةِ الظلمِ تخفقُ

ويا وزراءَ الصفرِ والبيضِ يقظةً ….. لِما بكم من أشنعِ العارِ يُلصَقُ

فما كانَ أغناكم عن المنصبِ الذي ….. كساكُمْ ثيابَ الذلِّ واللهُ يَرزقُ

وقد تولى كثيرون مناصب الوزارة في مصر، فخضعوا للخديوي والاحتلال، وأطاعوا الأوامر، ورضوا بأن يصبحوا مجرد صورة، بينما وكلاء الوزارات الإنجليز هم من يديرون العمل في الوزارات، ويضعون السياسات، أما الوزراء فقد لبسوا ثياب الذل كما وصفهم المنفلوطي.

بعد وفاة أستاذه الشيخ محمد عبده، عاد المنفلوطي إلي بلدته، وكتب العديد من القصص التي تعبّر عن الحزن واليأس.

وأسقط الإنجليز الخديوي عباس رغم خضوعه لأوامرهم، وزال ملكه، وضاعت أمواله التي قضي عمره في جمعها كما توقع المنفلوطي!

فهل كان للمنافقين دور في وصول الخديوي إلى ذلك المصير؟ كان بإمكان الخديوي التفكير في أسباب انتشار القصيدة في بر مصر، بدلا من البحث عن شاعر يعيد صياغتها لتتحول إلى قصيدة مدح.

لو أنه عيّن مستشارين لديهم القدرة على فهم الرأي العام لأشاروا عليه بأن يتقرب من شعبه، ويكافح معهم لتحقيق الاستقلال والحرية والديمقراطية، بدلا من الخضوع للإنجليز والتفرغ لجمع الأموال.

كان استقبال شعب مصر لهذه القصيدة يمكن أن يضيء الطريق للخديوي، فيدرك أن شعب مصر يكرهه بسبب خضوعه للاحتلال، ويكره وزراءه لأنهم لبسوا ثياب الذل كما وصفهم المنفلوطي.

وقد تخلّص الإنجليز منه لأنهم كانوا يريدون وجها جديدا، فلم يجد الخديوي عباس مِن أبناء مصر مَن يحزن عليه، وظل الشعب يردد قصيدة المنفلوطي.

إن درس التاريخ يوضح لكل حاكم أن المنافقين يدفعونه إلى الهاوية، وأنهم يعملون لتحقيق مصالحهم، ثم ينفضون من حوله، وأن الأموال والعمارات والقصور لا تنفعه عندما يكرهه شعبه.

لذلك، تسهم دراسة التاريخ والأدب في بناء مستقبل الأمم، لأنها تضيء بصيرة صناع القرار بالحكمة، وتوضح لهم أن قوة القائد تتمثل في التعبير عن آلام الشعوب وآمالها وأحلامها.

المصدر : الجزيرة مباشر