الشيخ القطان.. من الشيوعية إلى منبر الأقصى

الشيخ القطان

 

منذ أيام رحل أسد المنابر الشيخ أحمد القطان، أكثر الدعاة مناصرة لقضية فلسطين، الذي كانوا يلقبونه في الكويت بـ”خليفة الشيخ كشك”، والذي كان أشهر خطباء المنابر و”الكاسيت” في مصر حتى بداية الثمانينيات، وقد وصل القطان من خلال أشرطة “الكاسيت” إلى جميع الأقطار العربية والإسلامية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

وانتشرت أشرطة “الكاسيت” الخاصة به بين الشباب، وخاصة شباب الحركات الإسلامية، وكان يتزاحم عليها الجميع لما في صوته من قوة وصدق، ولأنه كان يناقش القضايا المعاصرة وقتها بشجاعة وحماس.

وكان أحمد بن عبد العزيز القطان منذ مولده عام 1946 في مدينة الكويت، ودراسته التربية الإسلامية ثمانية عشر عامًا، حتى تخرج في معهد المعلمين عام 1969، وقبل وفاته في 23 مايو/أيار 2022 عن عمر ناهز 76 عامًا، من أبرز خطباء حركة الصحوة الإسلامية في الكويت والخليج، وكانت القضية الفلسطينية ونصرة الأقصى تشغله كثيرًا حتى أُطلِق على منبره الذي يخطب فيه الجمعة اسم “منبر الأقصى” من شدة دفاعه عن القضية الفلسطينية.

حكايته مع الشيوعية

ومن المفارقات الغريبة في حياة القطان أنه في سن الشباب اعتنق الأفكار الشيوعية، وحكى القطان القصة في مذكراته، وقال إنه في بداية حياته كان شيوعيًّا، ففور تخرّجه في معهد المعلمين عام 1969 احتضنه الحزب الشيوعي، حيث بدؤوا بطباعة ديوان شعر له، لأنه كان يكتب الشعر، ثم ذهبوا به إلى إحدى مكتباتهم، وقالوا له اختر أي الكتب شئتَ، فقرأ كتاب أصول الفلسفة الماركسية، وكتاب المبادئ الشيوعية، وكتاب التفسير المادي للتاريخ، وكتاب الاشتراكية والشيوعية في الجنس والمال.

ولكن حدثت نقطة التحول مع الشيخ القطان -أو “الرفيق القطان” حينذاك- بسبب أذان الفجر، عندما كان بصحبة بعض أعضاء الحزب الشيوعي الذين يسهرون حتى الفجر ويتحدثون في كلام لا يفهمه عن الشيوعية في المال والجنس، وهو مستغرب من كلامهم، فهم يقولون كلامًا منافيًا للفطرة السليمة النقية، ولكن كان يشعر بالحياء أن يناقشهم، فهم كانوا بالنسبة له وقتها عباقرة، مفكرين، أدباء، شعراء، مؤلفين.

حتى أذّن الفجر فوجدهم يستهزؤون بالأذان، وبسبب الاستهزاء الذي سمعه خرج من عندهم، والتقى بعض أقرانه الذين عرضوا عليه الذهاب إلى المسجد، واستمع إلى أحد الدعاة القادمين من مصر، وهو الشيخ حسن أيوب، الذي كان نقطة تحوّل في حياة القطان، وكان الشيخ حسن أيوب من محافظة المنوفية، وأحد أبرز علماء الأزهر الشريف، وتوفي عام 2008.

منبر الأقصى

عندما سمع القطان خُطب الشيخ أيوب انشرح صدره وزالت عنه الغشاوة، وتعلق بالشيخ وأخذ عنه، وسمع أشرطة دروسه وخطبه، وأكمل تعليمه في معهد المعلمين، وعُيّن بمدرسة ثانوية مُعلّمًا ثم مديرًا، وسخّر موهبته الخطابية والأدبية في خدمة الدعوة الإسلامية، واشتُهر بخطبه البليغة المؤثرة، واهتم بقضايا الأمة.

وهكذا ترك القطان الشيوعية وأصبح داعيًا عُرف بدفاعه عن قضايا المسلمين، وخاصة قضية المسجد الأقصى، فأسس منبر الدفاع عن الأقصى، وأعلن عنه عام 1979، وتنقّل بين مساجد الكويت محاضرًا وخطيبًا.

ولا ننسى أشهر خطبه “في القدس قد نطق الحجر.. لا مؤتمر لا مؤتمر.. أنا لا أريد سوى عمر”، كانت هذه الكلمات من قصيدة “في القدس قد نطق الحجر” للشاعر الدكتور خالد أبو العمرين هي أقوى الخطب المزلزلة للشيخ أحمد القطان في عصر “الكاسيت”، والتي اعتقد البعض -من قوة إلقائه لها- أنها من تأليفه، وذلك بسبب صدق دفاعه عن القدس، والمسجد الأقصى، وفلسطين.

وقد نعته حركة حماس عقب وفاته، وقالت إنه صدح بالحق، وأوجع الباطل براياته ومسمّياته المختلفة، وكانت بوصلته واضحة منذ نعومة أظفاره، حيث أدرك مبكّرًا أن القدس هي عنوان الصراع، وأن المسجد الأقصى المبارك هو رمزه.

ووصفته الحركة بأنه كويتيّ المنشأ والجذور، عربي ومسلم في هُويته وانتمائه، وكذلك فلسطيني في مشاعره وتفاعله، وضميره، لذا أحبّه الناس في كل مكان، وكانت أشرطته السمعية والمرئية محلّ متابعة دائمة، شكّلت وعي الأجيال الناشئة في فلسطين وخارجها، ووصل الأمر إلى أن سلطات الاحتلال كانت تلاحق وتعتقل كل مَن تكون تسجيلات القطان بحوزته.

كذلك نعته جماعة الإخوان المسلمين في بيان لها، وكان قد سبق أن قال في عام 2014 “إن الإخوان المسلمين ليسوا إرهابيين؛ لأنهم حين وقع الاحتلال الغاشم في الكويت كان لهم دور مع الشعب الكويتي في الحفاظ على الشرعية، ولو كانوا إرهابيين لما حافظوا على الشرعية”.

طاغوت الشام

كما عُرف عن القطان أنه كان يهاجم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، وسمّاه “طاغوت الشام” عقب مجزة حماة عام 1982، وقال إن حافظ الأسد من أشد الطغاة، وندد بما يجري في حماة من القتل والذبح والانتهاكات.

وكان للداعية أحمد القطان موقف واضح ضد الانتهاكات الممارَسة بحق الشعب السوري بعد اندلاع الثورة، وانتقد صمت الهيئات والمجالس الدولية والعالمية، معتبرًا أنهم تحولوا إلى “شياطين خرس” لعدم وقوفهم مع المظلومين، وربط بين ما حدث في مجزرة حماة عام 1982، وما حدث بعد الثورة السورية عام 2011.

قدّم القطان الكثير من الدروس والمحاضرات في مدارس الكويت منذ تقاعده عن العمل عام 1996، كما قدّم العديد من الدروس الثابتة والسلاسل الكاملة في إذاعة “القرآن الكريم”، مثل برنامج “مسيرة الخير”، و”سلسلة الفاروق بعد الصديق”، و”سلسلة ذي النورين والسبطين”، وكذلك السلسلة المسموعة “رياض الصالحين”.

كما قدّم دروسًا في لجان العمل الاجتماعي والفضائيات والمؤتمرات، ولجان العمل النسائي، ومراكز القرآن، واختير عام 2009 أفضلَ أستاذٍ للجيل المسلم في جائزة “أستاذ الجيل” المقدَّمة من ملك البحرين.

رحم الله العالم الجليل.

المصدر : الجزيرة مباشر