لماذا ترفض تركيا انضمام السويد وفنلندا للناتو؟!

أردوغان

الرفض التركي السريع الذي واكب إعلان كل من فنلندا والسويد رغبتهما الانضمام إلى حلف الناتو نتيجة التطورات الخطيرة التي تشهدها القارة الأوربية على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية، أثار الكثير من علامات الدهشة والاستغراب في الأوساط الدولية، خصوصا من جانب واشنطن التي أبدت ترحيبها بهذه الخطوة، لكونها تصب في صالح توسيع الحلف وضم عدد أكبر من الدول إليه، لتشكيل قوة دولية وجبهة موحدة للرد على غزو روسيا لأوكرانيا، ومواجهة خططها الرامية لاستعادة جغرافيا الاتحاد السوفيتي السابق، بل وتوسيع نطاقها إذا أمكن ذلك، سعيًا منها للعودة إلى الساحة السياسية الدولية لتكون قوة جديدة تنهي مرحلة القطب الواحد الذي يسيطر على مقدرات وشعوب العالم.

تركيا بررت رفضها المطلق لقبول عضوية البلدين بأنهما من أكثر الدول دعما للتنظيمات المسلحة التي تهدد أمنها القومي، على الرغم من أن تلك التنظيمات تصنفها تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي تنظيمات إرهابية.

وأوضحت أنقرة أن كلا الدولتين تستقبلان على أراضيهما العديد من قيادات تلك التنظيمات المطلوبة أمنيا من قبل القضاء التركي، وترفضان تسليمهم لمحاكمتهم، وتمتنعان عن الرد على حوالي 33 طلبا رسميا لاستلامهم خلال السنوات الخمس الماضية، في نفس الوقت الذي قامتا فيه بدعم التنظيمات المسلحة التي تحارب الدولة التركية سياسيا وعسكريا ولوجستيا.

وقد وصل الأمر بدولة السويد إلى حد فرض عقوبات على تركيا بسبب قيامها بعملية عسكرية في سوريا ضد العناصر الموالية لتلك التنظيمات التي تهدد أمنها القومي، شملت تعليق بيع أنواع من الأسلحة وقطع الغيار، وتقليص حجم التبادل التجاري مع تركيا.

وهي تصرفات دعت الرئيس أردوغان إلى التصريح علنا بأن بلاده لن تكرر الخطأ الذي سبق أن وقع فيه الساسة الأتراك حينما وافقوا على قبول عضوية اليونان في الحلف رغم عدم تخليها عن سياستها العدائية ضد بلاده، ورفضها الدائم لإنهاء الخلافات الحدودية البرية والبحرية القائمة وفق ما تنص عليه القوانين الدولية، طالبًا من وفدي البلدين اللذين أُعلن أنهما سيزوران أنقرة عدم المجيء وتوفير مشقة عناء الرحلة.

سياسة الباب الموارب لتحقيق المكاسب

أنقرة، رغم تلك التصريحات، لم تغلق الباب تماما أمام سعي السويد وفنلندا للانضمام إلى الناتو، لكنها سعت إلى توظيف مخاوفهما نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، من أجل الحصول على مكاسب كانت تسعى لتحقيقها منذ فترة طويلة وحان الآن وقت قطافها، وهي المكاسب التي جاءت بصورة موجزة مقتضبة في مقال منشور بصحيفة إكسبرسن السويدية، لفخر الدين ألتون مدير الاتصالات في الرئاسة التركية، قال فيه “إذا كنتم تريدون أن يدافع عنكم الجيش الثاني في حلف شمال الأطلسي في حال حدوث عدوان فعليكم تبديد مخاوف تركيا المبررة”، فتركيا -وهذا حقها- “لن تقوم بالدفاع عن أعضاء وقيادات في تنظيمات إرهابية تعيش على أراضيكم وتهدد أمنها القومي”.

إذن، تركيا تريد من السويد وفنلندا القيام بخطوات ملموسة تجاه مخاوفها المتعلقة بأمنها القومي، من خلال وقف دعمهما للتنظيمات الكردية المقيمة على أراضيهما، ورفع الحظر عن صادرات بعض الأسلحة وقطع الغيار، فحلف الناتو حلف أمني وعلى من يريد الانضمام إليه إبداء حسن النية تجاه أطرافه.

الأسباب الخفية وراء الرفض التركي

ورغم موضوعية السبب الذي يرتكز عليه إعلان رفض أنقرة الحالي لقبول عضوية هلسنكي وستوكهولم، فإنه من الواضح أن هناك أسبابا أخرى لم يتم الإعلان عنها أو التصريح بها من جانب المسؤولين الأتراك، ويأتي في مقدمة هذه الأسباب رغب تركيا في الرد عمليا على التصرفات الأمريكية الأخيرة التي اعتبرتها أنقرة مسيئة إلى مكانتها باعتبارها دولة مؤثرة على الصعيدين الإقليمي والدولي، وتنتقص من هيبتها على الصعيد الداخلي.

فالولايات المتحدة الداعم الأكبر لانضمام الدولتين، قامت رسميا بالاعتراف بأن ما يسمى مذبحة الأرمن التي وقعت في عهد الدولة العثمانية كانت إبادة جماعية، وذلك على لسان الرئيس جون بايدن، وهي المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس أمريكي بتبني وجهة نظر اللوبي الأرمني في واشنطن، في الوقت الذي بدأت فيه العلاقات التركية الأرمنية تشهد نوعا من الحلحلة، حيث تجري الدولتان حاليا مباحثات سياسية لحل الخلافات بينهما، وطي صفحة الماضي، وبدء مرحلة جديدة من التعاون الثنائي.

عرقلة صفقة الطائرات أف -16 من جانب الكونغرس

كما واجهت صفقة طائرات أف -16 عراقيل كثيرة، ورفضًا من جانب أعضاء في الكونغرس الأمريكي بقيادة رئيس لجنة الشؤون الخارجية السيناتور روبرت مينيدينيز المعارض الأكبر للرئيس أردوغان شخصيا.

وقد تم اتفاق بشأن هذه الصفقة بين واشنطن وأنقرة مؤخرا على إنهاء النزاع الذي نشب بينهما بعد استبعاد الأخيرة من برنامج تصنيع طائرات أف -35 بسبب شرائها منظومة أس -400 الصاروخية من موسكو.

وفي هذا الإطار ترى أنقرة أن مصلحتها تقتضي التصدي ولو مؤقتا لرغبة واشنطن في قبول عضوية الدولتين، لما يمكن أن يحققه لها هذا من مكاسب سياسية وعسكرية، إذ من المنتظر أن تسعى واشنطن لاسترضائها، خصوصا بعد موقفها من الحرب الروسية الأوكرانية، والقيام بالضغط على الكونغرس لتمرير صفقة الطائرات التي تريدها.

هذا إلى جانب الظهور بمظهر الدولة القوية المؤثرة دوليا، ذات الإرادة السياسية والقرار المستقل، وهو الأمر الذي يصب في صالح شعبية الرئيس أردوغان شخصيا على الصعيد الداخلي وترسيخ كونه قائدا قويا، ذا حنكة سياسية، وفطنة عالية، وقدرة على قطف ثمار المكاسب لبلاده من أي تغيرات أو تقلبات تحدث إقليميا ودوليا، أيا كانت طبيعتها.

الرفض التركي طمأنة للحليف الروسي

على صعيد آخر تسعى أنقرة من خلال هذا الرفض لطمأنة موسكو، حليفتها المقربة حاليا، بأنها ضمانة لها من أي تهديد لأمنها القومي يمكن أن تمثله مضاعفة حدود حلف الناتو البرية مع أراضيها. كما أنه مع التعنت التركي الحالي فإن عملية توسيع الحلف وانضمام الدولتين -في حال حدوثه- لن يكون بصورة سلسلة وسريعة كما تأمل بعض دول الحلف، الأمر الذي يمنح موسكو فرصة كبيرة لإعادة ترتيب أمورها، وتغيير تموضع قواتها بالصورة التي تراها محققة لأمنها القومي.

وهذه المكاسب تشير بوضوح في حال تحقيقها، إلى إمكانية أن تتراجع تركيا عن موقفها الرافض لضم كل من السويد وفنلندا إلى حلف الناتو، خصوصا أنها سبق أن أعلنت ترحيبها بمبدأ توسيعه وضم دول جديدة إليه إذا كان ذلك سيضمن الأمن والسلام في العالم.

المصدر : الجزيرة مباشر