الحوارات الوطنية وربيع الأنظمة العربية

(1)

نائب وزير النفط الإيراني صرح مؤخرًا بأن بلاده وقعت مع العراق مذكرة تفاهم لزيادة صادرات الغاز الإيراني إلى العراق. العراق يعتمد على إيران في توريد ثلث احتياجاته، رغم امتلاكه احتياطات غاز كبيرة، وقد وصلت ديون العراق المستحقة لإيران نحو 1,6 مليار دولار.

هذا الخبر جعلني أتساءل: كيف وصل العراق الغني بموارده وشعبه إلى هذا البؤس؟ سيرد بعضهم: هذا نتاج الغزو الأمريكي للعراق، بالتأكيد الغزو أدى إلى تفكيك مؤسسات الدولة وتسبب في حالة من الفوضى وانعدام الأمن وتدمير البنية التحتية، لكن هناك سبب سابق لذلك وهو حكم صدام حسين الاستبدادي وانفراده بالحكم الذي جرأه على غزو الكويت وغطرسته التي منعته من الإنصات إلى نصائح من طالبه بالانسحاب من الكويت والانصياع إلى الشرعية الدولية.

رغم تجاربنا المريرة مع الاستبداد مازلنا ندور في دوائره المغلقة، منذ أكثر من نصف قرن، وبعد حصول الأقطار العربية على الاستقلال الوطني، أصبح لديها أزمة حكم مزمنة تعوقها عن التنمية المستدامة المستحقة والانخراط في المستقبل وتبقيها في المربع الخالي ومنطقة الجمود والاستقرار الزائف.

(2) تجرعت الشعوب العربية التي طالها ما سمي بالربيع العربي كأس المرارة

حمل عام 2011 نذر التمرد الشعبي في عدد من الدول العربية، وخرجت الشعوب ناقمة على أحوالها في ظل أنظمة حكم فاسدة حرمتها من الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والمشاركة السياسية الحقيقية، وتركت الوطن مستباحا للفساد والمحسوبية، حيث عاش المواطن البسيط غريبا في وطنه في ظل حكم شمولي لا يفرق بين كونه يدير الدولة لصالح الشعب وبين كونه هو الدولة التي تدار لصالح استمراره في الحكم، أنظمة حكم غاب فيها القانون ولم تلتزم بالدستور وحُرم مواطنوها من حقوق المواطنة، وفي كل دولة من هذه الدول عثر شعبها على القشة التي قصمت ظهر البعير بعد سنوات من الصمت والخنوع.

لكن أتت الريح بما لا تشتهي السفن، وتجرعت الشعوب العربية التي طالها ما سمي بالربيع العربي كأس المرارة، بعضها عانى من حروب أهلية أدت إلى انهيار مؤسسات الدولة وعدم قدراتها على توفير الاستقرار والأمن الداخلي وتعرُّض حدودها للخطر وتحوُّل أرضها إلى ساحة حرب أهلية أججتها قوى إقليمية ودولية في محاولة لفرض النفوذ والهيمنة واستغلال خيرات الدول واستنزاف مواردها، وما زال بعضها غارقا في دوامة التقاتل الأهلي طمعا فى مصالح طائفية وفئوية تتعارض مع أهداف ودور الدولة القومية الوطنية. أما الدول التي نجت من هذا المصير المفجع فلم تنج من العثرات والعقبات التي وضعت أمام التحول الديمقراطي وتغيير نظام الحكم وإصلاحه بما يمكن الشعوب من تحقيق طموحتها المشروعة التي ثارت من أجلها.

أزمة الحكم في هذه الدول أدت إلى استقطاب حاد في الشارع وشعور عام باليأس زادت حدته بسبب مخاوف أنظمة الحكم التي تأسست بعد الحراك الشعبي من تكرار الفوضى، مما أدى إلى تراجع مساحة حرية التعبير ومحاولة خنق أصوات المعارضة بزج المعارضين في السجون بأعداد كبيرة. لكن الخوف لا يبني مستقبلا، ربما يحقق قدرا من الاستقرار الزائف بسبب القبضة الأمنية. الانفراد بالسلطة وتأثيم المعارضة وتعطيل المشاركة الحزبية الحقيقية وإعدام حرية التعبير وإغلاق الأفق أمام صحافة حرة مستقلة تعبر عن الناس وتكون لسان حالهم، جعل مؤسسات الدولة كلها تحت سيطرة الحاكم، منفذة لسياساته دون أدنى مشاركة أو رقابة شعبية، فالمجالس النيابية التي شُكلت في ظل هذا الوضع أغلب أعضائها موالين للسلطة القائمة ومن صنيعتها.

ومهما كان الفكر الفردي مبدعا ومخلصا، فلا يمكن أن يكون بديلا عن الفكر الجماعي، أو يكون فوق الرقابة والمساءلة وإلا انحرف عن المسار الصحيح، وهو ما حدث من قبل ويحدث الآن، وظهر ذلك واضحا جليا في القرارات التي تم اتخاذها وقائمة الأولويات التى تم وضعها بفكر فردي من دون مشورة خبراء أو رقابة من السلطة التشريعية المنوط بها الحفاظ على حقوق الشعب ومصالحه والتأكد من قيام السلطة التنفيذية بواجباتها حياله دون افتئات على باقي السلطات.

(3) دعوات الحوار الوطني: باب الخروج من مأزق وجودي

أزمة الحكم في عدد من الدول العربية ألقت بظلالها على أوضاعها الاقتصادية وأعاقت وعود التنمية والرفاهية والعدالة الاجتماعية، وفي ظل جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها وجدت هذه الأنظمة نفسها في مأزق، فهي بسبب انفرادها التام بالحكم تتحمل المسؤولية الكاملة عن تردي الأوضاع الاقتصادية وإفقار المواطنين وتراجع قدرتهم الشرائية والبطالة وشيوع الفساد وتوسيع الفجوة بين الطبقات، كما أن هذه الأنظمة محل انتقادات دولية بسبب ملف حقوق الإنسان وسجن المعارضين السياسيين. كانت حجة هذه الأنظمة أن عليها عبء تدبير قوت الملايين والحفاظ على استقرار البلاد ضد قلة تحاول النيل من ذلك مستغلة حرية التعبير، والآن انكشف هذا الغطاء، الأمر ليس مجرد عثرة ولكنه مأزق وجودي يهدد استقرار مؤسسات الرئاسة والسلطة في دول عربية فشلت فى الحصول على الرضا الشعبي وكذلك فشلت في الوصول إلى تأمين أمنها الغذائي ولم تحسن بشكل كاف قدراتها التصنيعية والزراعية والتصديرية، وكان لا بد من إيجاد باب للخروج، ومن هنا انطلقت دعوات الحوار الوطني من قبل الرئيس المصري والتونسي اللذين اشترطا عدم انخراط قوى سياسية كانت سببا في تخريب البلاد على حد قولهما، وكذلك أطلق الرئيس الجزائري مباردة “لم الشمل” ولكنه لم يضع شروطا للانخراط فيها.

(4)

النظام العالمي يتعرض لتغيرات جذرية ستؤدي إلى تغيير في التحالفات الإقليمية والعالمية، وهو وقت مناسب لإحداث تغييرات وإصلاحات جذرية في هيكلة نظم الحكم في الدول العربية المشار إليها وغيرها، وهي فرصة قد لا تتكرر، بشرط أن تكون تغيرات حقيقية وليست صورية لكسب الوقت وتخفيف الضغط والاحتقان المجتمعي.

إن لم يكن إصلاح وربيع حقيقي للتغيير فسيكون الطوفان الذي لن ينجو منه من يظن أنه محتم بقمة الجبل ولا من يعيش في السفح.

المصدر : الجزيرة مباشر