هل يحكم اليمين المتطرف تركيا؟

تزايدت دعوات المعارضة التركية لإجبار اللاجئين السوريين على العودة إلى بلادهم تحت ذريعة أن الحرب التي فروا من ويلاتها قد وضعت أوزارها، وأن الوقت قد حان ليعود هؤلاء الفارين للمساهمة في إعادة إعمار بلادهم التي دُمرت خلال السنوات العشر الماضية بسبب الصراع بين نظام بشار الأسد والمعارضة السورية.

وفي سبيل تحقيق أهدافها الرامية للنيل من حكومة حزب العدالة والتنمية، ومحاولة تأليب الشعب التركي عليها، وظفت المعارضة جميع أبواقها السياسية والإعلامية لتسويق فكرة أن المشاكل اليومية التي أصبح يعانيها الأتراك هي النتاج الطبيعي لسياسة الباب المفتوح التي اتبعتها الحكومة في تعاملها مع اللاجئين عموما والسوريين على وجه الخصوص.

فغلاء أسعار السلع الغذائية الأساسية سببه بالقطع ذلك العدد الهائل من السوريين الذين يتقاسمون مع الأتراك رغيف الخبز، وارتفاع أسعار المساكن وقلة المعروض منها في الأسواق يعود إلى اللاجئين الذين استحوذوا على الحصة الكبرى من العقارات التركية تأجيرًا وشراءً، الأمر الذي يجعل الأتراك يعانون أشد المعاناة في الحصول على سكن مناسب بسعر مناسب، وتدهور سعر صرف الليرة التركية وارتفاع نسب التضخم، وزيادة عدد العاطلين عن العمل، واختفاء أنواع معينة من الأدوية، وصعوبة الالتحاق بالجامعات، وغيرها من المشاكل وضعت جميعها على كاهل اللاجئين السوريين.

شيطنة اللاجئين

وحتى تؤكد المعارضة على فكرتها الشيطانية لكسر الحكومة وهزيمتها سياسيا، يتم نشر الكثير من الأخبار الكاذبة بشأن مدى الدعم المادي الذي يحصل عليه السوريون اللاجئون في تركيا من خزانة الدولة ومن جيوب دافعي الضرائب الأتراك، بينما تعاني الطبقات الفقيرة من الأتراك تحت وطأة الحاجة والارتفاعات المستمرة في تكاليف الحياة اليومية، بالإضافة إلى نشر صور وفيديوهات مزيفة تصور هؤلاء اللاجئين على أنهم مجرمون يهددون الأمن والسلم داخل المجتمع التركي، وهي الدعاية التي وجدت صدى واسعا بين الأتراك، حتى هؤلاء المؤيدين لحكومة العدالة والتنمية الذين أصبحوا يتخوفون من تأثير هذه الادعاءات على فرص حزبهم في الفوز بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وقد أصدرت الحكومة الكثير من الإحصاءات التي تؤكد أن السجلات الجنائية للاجئين السوريين على مدى السنوات العشر الماضية أقل بكثير من تلك التي يرتكبها مختلف شرائح المجتمع التركي، وأشارت بيانات لوزارة الداخلية التركية إلى أن نسبة جرائم السوريين في تركيا مقارنة بالنسبة العامة بلغت 1.32% أي أقل من واحد ونصف بالمئة من مجموع الجرائم في المجتمع التركي، رغم أن عددهم يبلغ حوالي ثلاثة ملايين وسبعمئة ألف لاجئ.

حقائق مؤكدة يعلمها القاصي والداني من السياسيين والإعلاميين الأتراك، لكنها للأسف لم تستطع حتى الآن على الأقل أن تحدث التأثير المطلوب في تفنيد لتلك الأكاذيب ومحوها من أذهان المواطنين الأتراك، الذين يتداولونها وكأنها أمر مسلم به يحدث بصورة يومية، حتى تحولت المسألة لديهم إلى فوبيا الخوف من الأجانب من ذوي الأصول العربية والشرق أوسطية، لا من السوريين فقط، وهو خوف يزداد يوما بعد يوم مع استمرار الخطاب العدائي الذي تبثه المعارضة في آذانهم ليلا ونهارا.

 ازدياد حالة الغضب والكراهية ضد الأجانب

دعاية سوداء شحنت نفوس الأتراك بالكراهية والغضب، تظهر بلا وعي منهم في سلوكهم، حتى أصبحت ظاهرة تلمسها في تعاملاتك اليومية معهم، وتراها في التعبيرات التي ترتسم على وجوههم حينما يلتقون مصادفة مع أي لاجئ سوري في الأماكن العامة ووسائل النقل.

وبذلك أصبحت مسألة إخراج السوريين من تركيا وإعادتهم إلى بلادهم ولو قسرا، مطلبا يوميا تتناقلة وسائل إعلام المعارضة، التي تحث الناخب التركي على التصويت لها في الانتخابات المنتظرة منتصف العام المقبل 2023 لتنفيذ خططها التي وضعتها لتحقيق هذا الهدف، مؤكدة أن هذه المعضلة سوف يتم التخلص منها بعد وصول المعارضة إلى السلطة خلال عامين على أقصى تقدير.

حقائق وأرقام تتجاهلها المعارضة التركية

وفي خضم سعيها لكسب الانتخابات المقبلة، موظفة لهذا الهدف ملف اللاجئين السوريين، تتجاهل المعارضة التركية جملة من الحقائق، التي تسعى إلى طمسها ومحوها تماما، من أبرزها أن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد التركي حاليا يعود أغلبها إلى الأزمة العالمية التي يعاني منها العالم أجمع جراء وباء كورونا الذي أصاب الاقتصاد العالمي إصابة بالغة، وتسبب في زيادة نسب البطالة، وفي ارتفاع أسعار السلع الأساسية نتيجة حالة الشلل التي أصابت الكثير من قطاعات الإنتاج، أما الباقي فمرجعه استهداف تركيا من بعض القوى السياسية الإقليمية والدولية، التي تتآمر ضدها، وتسعى إلى إسقاطها وإخضاعها عبر التلاعب باقتصادها.

هذا إلى جانب أن اللاجئين عموما والسوريين خصوصا دعموا الاقتصاد التركي بأكثر من 3.5 مليارات دولار، تم استثمارها في مختلف القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية بتركيا، وساهموا في توفير 120 ألف وظيفة، كان للأتراك منها النصيب الأكبر وفق ما تنص عليه القوانين التركية، التي تلزم صاحب العمل بضرورة تشغيل 5 مواطنين أتراك مقابل كل مواطن أجنبي يتم توظيفه.

 ارتفاع حجم مبيعات الشركات التركية بسبب الأجانب

وتشير دراسات الغرف التجارية والصناعية التركية إلى أن السوريين قاموا خلال السنوات الماضية بتأسيس أكثر من 10 آلاف شركة مسجلة، 60% منها شركات سورية مملوكة لسوريين فقط، و40% شركات مناصفة بين سوريين وأتراك.

وقد أصدر البنك المركزي التركي دراسة عن تأثير تدفق اللاجئين في أداء الشركات وهيكلة السوق التركي، أشارت إلى ان الوجود السوري كان له تأثير إيجابي على حركة التبادل التجاري، محققا زيادة في متوسط مبيعات الشركات بنسبة 4%، إضافة إلى زيادة في عدد الشركات الجديدة المسجلة بلغت 5%.

وهي الأرقام التي تؤكد أنه لولا هذه المساهمات الاقتصادرية، لربما ارتفعت نسب البطالة بين الأتراك، وتوقفت حركة البيع والشراء في الأسواق، ولواجه الاقتصاد التركي معاناة أكثر من التي يعاني منها حاليا.

هذا بالإضافة إلى حجم التقارب الاجتماعي والمصاهرة التي شهدتها السنوات الماضية بين الأتراك واللاجئين عموما، وفي هذا الإطار تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء التركية العامة إلى أن أكثر من 45 ألف من الشبان والفتيات الأتراك ارتبطوا عائليا بأجانب، تمثل نسبة المقترنين منهم بسوريين حوالي 32%.

تحذيرات من خطورة ترك الحبل على الغارب لليمين المتطرف

ويبدو أن هذه الحقائق كانت من أسباب ارتفاع أصوات المثقفين والعقلاء، الذين بدؤوا يحذرون من مغبة ترك الحبل على الغارب للمعارضة وخاصة المنتمين منها إلى اليمين المتطرف المدعوم أوربيا كي يبث سمومه في نفوس البسطاء من المواطنين الأتراك، لما لذلك من تأثيرات سلبية كثيرة على المجتمع التركي، وفطرته الاجتماعية، واقتناعاته الإنسانية، ونظرته تجاه الآخر، خصوصا أن تركيا دولة سياحية في المقام الأول، تستقبل سنويا ملايين الأجانب، إضافة إلى شهرتها في مجال التحصيل العلمي، الأمر الذي جعلها قبلة للطلاب والباحثين والأكاديميين.

فهل تنجح الحكومة التركية خلال الفترة المقبلة في تدراك الأمر، والتصدي لهذه الأكاذيب وكبح جماح هؤلاء، ووضع حد لهذه الألاعيب الانتخابية التي تحمل في طياتها تدمير المجتمع وتفجيره من الداخل، أم أن الأمور ستزداد شراسة حتى تقع تركيا فريسة في أنياب اليمين المتطرف الذي لن يكتفي وقتها بتصفية حساباته مع اللاجئين بل سيستهدف أيضا شرائح ليست بالقليلة من المجتمع التركي نفسه!

المصدر : الجزيرة مباشر