غفت شيرين قليلا.. وستصحو مع شروق الشمس

شيرين أبو عاقلة

غفت قليلا أرهقها ليل طويل تحت باب العامود وعلى بوابات الأقصى، غفت قليلا تحت ظل الشجرة المريمية في جنين، لم تدرك الشمس بعد راحت في غفوة، تلصص المغتصب خلف أسوار المدينة يحاول إسكات صوتها وخنق نور يسطع في الأفق، ظن للحظات أنها سكنت سكتت ورحنا نظنها رحلت، ولكنها غفت قليلا على بوابات الجنة وبين أيدي الملائكة، وغفت وستعاود رسائلها إلينا عبر أسوار القدس العتيقة.

غفت قليلا

بينما نور الشمس ينتظرها لتعود من غفوتها، ستصحو بعد قليل وتوافينا بأنباء من سبقوها في الغفوة، ستأتينا في ضحكة طفلة في شوارع غزة وصبية في طرقات القدس العتيقة، وغناء الشباب في ليلة رمضانية في باحة القدس، ستأتي في ميلاد طفلة لحظة الغفوة، لن تطول تلك الغفوة للجميلة العاقلة، ستذهب إلى حدائق الياسمين والزيتون لتزهر صوت الحق، لن تغيب كثيرا، ستجد لنفسها مكانا في قصائد درويش وسميح وفي أغنيات نزار قباني للقدس، ستنضم إلى آلات الرحبانية الموسيقية وتغني مع فيروز:

ومشيت بالشوارع .. شوارع القدس العتيقة

أوقف عباب بواب .. صارت وصرنا أصحاب

وعينيهن الحزينة .. من طاقة المدينة

تأخذني وتوديني .. بغربة العذاب

ستصحو بين يدي طفلة ترسم نور القمر حين يكتمل في ليلة الرابع عشر في الشهر العربي، وفي وردة يحملها شاب نابلسي إلى رفيقة عمره ليلة الزفاف، ستجدها في صورة يرسمها عجوز مقدسي في الأزقة الضيقة، وحين تنبت سنابل القمح في المزارع، وحيث يقع شهيد في طريقنا نحو تحرير فلسطين وبقاع الوطن العربي، سنجدها في مدرجات الجامعة ومعاملها وفي ساحات الرياضة ومسارح الفنون.

ستصحو شيرين في أزقة حيفا ويافا ونابلس، ستجري في شوارع القاهرة وتجلس على مقهى ريش تنتظر فؤاد نجم والأبنودي وأمل دنقل وتردد معه:

لا تصالح على الدم .. حتى بدم!

لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ

أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟

أقلب الغريب كقلب أخيك؟!

أعيناه عينا أخيك؟!

وهل تتساوى يدٌ .. سيفها كان لك

بيدٍ سيفها أثْكَلك؟

ستقف أمام كاميرتها في شوارع بغداد وحارات دمشق، تنشر روح المقاومة وتدل على الحق وأهله، لن تغيب طويلا، فما علمته في قلوب الصبايا والشباب في كل الأرص العربية لن يضيع سيبقى مؤرقا للمغتصبين حتى تعود الأرض.

غفت والشريط لم يقف في وضع ثابت

سيظل شريط الصوت ولقطات المقاومة والشهداء مستمر، لن يقف الشريط في وضع ثابت مرة أخرى ولن نفحص صورته، بل سيعطينا زاد الغد وروح البطولة، يفاجئنا بالفرح مع شباب القدس، ويصلي معهم التراويح وفجر كل رمضان حتى يظهر فجر فلسطين وتستطع شمس الحق، فجرك يا أمة يا فلسطين لاحت أنواره للعين.

شريط واحد فقط سيتوقف هو شريط القتلة ستظل كاميرا وصوت شيرين يطاردهم في كل شبر على أرض فلسطين، سيظل صوتها يؤرقهم سيقول ويشير إلى أنهم القتلة المغتصبون للأرض والحق، ستطارد كاميرا أبو عاقلة الجناة حتى الرحيل، وشريط الصوت يقول لهم سترحلون إلى كل بقاع الأرض فرادى كما جئتمونا فرادى، ستلفظكم أرض فلسطين، سيكون كل حجر قنبلة ورصاصة إلى صدوركم حتى تفارقوا أرضنا.

هناك تحت الشجرة في جنين ستنبت الزهور حتى إذا ما عادت شيرين من غفوتها أبهجت قلبها، وفي ظل الشجرة سيجاورها تمثال الحق والحرية وستحمل عند صحوها شعلة البقاء والخلود للشهداء والمقاومين، ما غابت ولكنها ذهبت للشمس تسحبها من فم الأسد لتعطيها للأولاد في شوارع غزة، غزل البنات، يلعبون وينسجون فساتين الفرح ويولدون أبطال وشهداء يكملون المسيرة ويرفعون صورها فوق فروع شجرة الحق مكان غفوتها.

غفت قليلا ولم تمت

ألا تصدقني؟ إذن انظر إلى وجهها حين لفته الحطة الفلسطينية وحين غطى جسدها الطاهر الأخضر والأسود والأحمر، انظر ألم تر هدوء الملائكة وراحة اللقاء المنتظر، أي سكينة يا ذات العينين الساكنتين في بحر الأمن و الطمأنينة، تلك الصورة الهادئة الدافئة هي من تستحق التأمل، ترى أين ذهبت بها، ألم تذهب إلى شرفات مدينتها تعطي الأمان لبنات وأبناء فلسطين، ترى هل زارت وهران والرباط وتونس الخضراء، هل راحت في جولة إلى مراكش وعدن وهناك في سيناء، هل بشرت الشهداء بالنصر طالما أن طابور الشهداء لا يتوقف، أي سكينة في وجهك الملائكي يا جميلة العقل.

ما غابت ولن تغيب ولكنها تغفو مع من سبقوها في مشوار الحق والحقيقة، بنت القدس ستبقى وسيغيب من أطلق الرصاص عليها، بنت القدس ستبقى ما بقي الحق والعدل والجمال، لن تتأخر في غفوتها، ستعود إلى حيث كانت، ترتدي سترتها وتحمل علم بلادها هذا الذي كان شارتها عمرا ولفها حين غفت عنا، سنجدها في كل مكان رفع الصورة ورفض الغدر، سنجدها في أشعارنا وغنائنا حين نغني:

يا فلسطينية .. والبندقاني رماكو

بالصهيونية .. تقتل حمامكو في حداكوا

يا فلسطينية وأنا بدي أسافر حداكوا

ناري في أيديه  .. و أيديه تنزل معاكو

على رأس الحية .. وتموت شريعة هولاكو

المصدر : الجزيرة مباشر