شيرين أبو عاقلة.. وجيش لا يعرف الشرف العسكري

شيرين أبو عاقلة

ليس غريبًا على جيش الاحتلال الإسرائيلي الجبان، التربص بمراسلة الجزيرة الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، واغتيالها إسكاتًا لصوتها وحجبًا للحقيقة التي تؤرق مضاجع العصابة الإسرائيلية الحاكمة، وهكذا المحتلون في كل زمان ومكان شأنهم شأن المستبدين والطغاة والبغاة، يكرهون جميعًا الصحافة والإعلام بالعموم، لأنها تفضح ممارساتهم المشينة إنسانيًا، وتكشف حقيقتهم مهما حاولوا التجمل، إذ هو جيش لدولة أسستها عصابة صهيونية كبيرة ارتكبت الكثير من المجازر بحق الفلسطينيين العُزّل، وأعملت فيهم القتل والتهجير والتشريد، رجالًا ونساءً وأطفالًا، واغتصبت أراضيهم وبيوتهم، وما زالت حتى يومنا هذا على النهج نفسه.

مهارة مهنية وموضوعية وإخلاص لقضية الشعب الفلسطيني

كانت “شيرين أبو عاقلة” حالة صحفية متفردة على مدار 25 عامًا تطل خلالها عبر “شاشة قناة الجزيرة” التي وجدت فيها المنصة التي تستوعب ما تمتلكه من موهبة ومهارة مهنية ورؤية إنسانية، ودخلت من خلالها كل بيت عربي، وأحبها كل مُناصر للحرية. جمعت أبو عاقلة في عملها الصحفي بين الموضوعية والإخلاص لقضية الشعب الفلسطيني المناضل لاستعادة حقوقه المشروعة، انحيازًا منها للحق، الذي هو مستحق لبني جلدتها في العيش بكرامة في وطنهم المُحتل، والسعي للتحرر ذات يوم من الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على فلسطين، بممارساته العنصرية البشعة التي لا تعرف سوى القتل والاغتيال للعُزّل.

على ذكر “المهنية والموضوعية” في التغطية الصحفية، فليس بينها وبين الانحياز للقضايا العادلة، أي تناقض، فـ “الصحفي” أيًا كانت وسيلته أو منصته الإعلامية، يجب أن يكون صوتًا للحق ناقلًا للحقيقة مهما كان إيلامها ومصاعبها ومتاعبها عليه، فالمفترض أنه صاحب ضمير حي، يؤمن بقيم الحق والعدل والحرية والاستقلال والتحرر، ويُبغض الاحتلال والاستبداد والاستعمار والبغي والعدوان والطغيان، وما شابه، وهكذا كانت شيرين أبو عاقلة منذ تنبهت لها وأدائها على “الجزيرة” منذ نشأتها قبل ربع قرن من الآن.

رفيقة كل ثائر وكلمة حق في وجه كل جائر

شيرين أبو عاقلة، وبتعبير الدكتور بلال الشوبكي أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل، في رثائه لها: “منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000- 2005).. كبرت معنا وفينا كلّما مسّ فلسطين الأذى، وكلّما تنفّست الأمل. كانت صوتًا أنقى من أن يُقيّم، وصورة أبهى من أن تُنتقد.. هي بنت كل بيت فلسطيني وأخت كلّ لاجئ ورفيقة كل ثائر وكلمة حقّ في وجه كل جائر”. كانت “أبو عاقلة” حاضرة وشاهدة ناقلة للحقيقة في كل الأحداث الفلسطينية ومواجهات الشعب الفلسطيني المقاوم مع “الاحتلال الغاصب”، وفي حروبه على غزة أعوام 2008، 2014، 2021، والحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان عام 2006، حين كان جنود الاحتلال يهربون كالفئران مذعورين من بسالة اللبنانيين، والكمائن والمحارق التي نُصبت لهم، ولدباباتهم هناك.

قنّاص لا يعرف معنى الشرف العسكري

لم تكن “أبو عاقلة” تحمل سلاحًا، حين استهدفها قنّاص إسرائيلي غادر لا يعرف -مثل جيشه- للشرف العسكري معنى، ليقتنص روحًا طاهرة بـ “رصاصة” تفادت السُترة الواقية، وكذلك الخوذة، وهما معًا (السُترة والخوذة) يمثلان زيًّا مُتعارفًا عليه دوليًا، مميزان بكلمة “صحافة”، لكن هذا لم يمنع قتلها.. استهدف القنّاص الجبان -مثل دولته- نقطة هشة، غير محمية تحت الأذن، لتقضي عليها الرصاصة، وتسقط صريعة شهيدة الكلمة الصادقة والحرية والنُبل والقيم السامية كلها.

شيرين أبو عاقلة التي استشهدت فجر الثلاثاء، مولودة في القدس المحتلة عام 1971م، وشرعت بعد الثانوية العامة في دراسة الهندسة المعمارية بإحدى الجامعات الأردنية.. نادتها الصحافة التي استهوتها على ما يبدو منذ الصغر، فكان أن لبّت النداء، وتركت الهندسة بعد عام دراسي، وراحت تدرس الصحافة في جامعة اليرموك الأردنية، وعملت بعد تخرجها في مواقع إعلامية عديدة، منها إذاعتا صوت فلسطين، ومونت كارلو، قبل أن تجد مبتغاها في قناة الجزيرة.

الجنسية الأمريكية وجحيم الاحتلال الإسرائيلي

تحمل “شيرين أبو عاقلة” الجنسية الأمريكية، مثل ملايين العرب الذين يحملون جنسيات غربية، ويهربون من بلادهم طلبًا للأمان والرفاهية والعيش الكريم بعيدًا عن الاستبداد والفقر في غالب بلادنا العربية. كان بوسع “الشهيدة أبو عاقلة” أن تفر من جحيم الاحتلال الإسرائيلي الذي يذيق الفلسطيني ويلات الحياة في العيش والتنقل والعمل، وأن تنجو بنفسها لتقيم في الولايات المتحدة، حيث الحرية والأمان ورغد العيش والرفاهية.. لكنها لم تفعل، ولو فعلت لما كان لأحد أن يلومها. اختارت شهيدة الصحافة والكلمة الحرة والجزيرة الإخلاص لما تؤمن به من عدالة قضية وطنها المحتل، وبقيت تلاحق جيش الاحتلال وجنوده أينما ذهبوا تنقل ممارساتهم الشنيعة وتوثق جرائمهم. عانت الشهيدة شيرين أبو عاقلة المتاعب، والاعتقالات والضرب عند الحواجز العسكرية الإسرائيلية.. اقترب منها الموت في مرات عديدة.. لكنها لم تخشه، وتغلبت على الخوف منه. باتت شهيدتنا الليالي في المستشفيات وعند الغرباء، حتى تنقل الحقيقة، وبكلماتها، فإنها “لم تستطع تغيير الواقع (واقع الاحتلال والعنصرية والقهر والعنف والقتل)، لكنها على الأقل كانت قادرة على إيصال ذلك الصوت إلى العالم”. أوجعت الاحتلال، فكان لا بد أن يُسكتها هؤلاء الصهاينة.

رحم الله الشهيدة شيرين أبو عاقلة.

المصدر : الجزيرة مباشر