ليلة سقوط ملك فرنسا لويس التاسع أسيرًا في معركة المنصورة

“التاريخ يكتبه المنتصرون”، مجرد مقولة شائعة ليست نتاجا لعلم أو دراسات أو أبحاث. ربما يكون مرجعها هو طبائع البشر الميالة إلى المنتصر، وتبني روايته للأحداث أيًّا كانت مواضع الخلل أو الزيف فيها؛ إذ لا يهتم غالب الناس بالاستماع إلى المهزوم وسماع روايته، اكتفاءً بإدانته.

يمكننا تحوير هذه المقولة لتُناسب عالمنا العربي بأن “التاريخ يكتبه الحُكام”، فـ”غالبية المؤرخين” منذ القدم ممن عاصروا أحداثا مهمة أو حروبا، يكونون لسان “الحاكم”.. يركزون على تحركاته وأفعاله، وهناته وسكناته.. يضفون عليها الحكمة، ويصفونها بالحنكة.. يصنعون منها بطولات لم تدر بخياله.

دعوات الجهاد والعز بن عبد السلام والسيد البدوي وأبو الحسن الشاذلي

وكثيرا ما كان للشعوب والنخبة منها “دور رئيس” في انتصارات كبرى، لا يشغل إلا سطورا قليلة وعابرة في كتابات هؤلاء المؤرخين والناقلين عنهم، على غرار “معركة المنصورة” التي جرت قبل 772عاما، وكتبت في مثل هذا الشهر (أبريل) نهاية سيئة وفشلا ذريعا لـ”الحملة الصليبية السابعة”، بسقوط قائدها ملك فرنسا لويس التاسع (لويس القديس) أسيرًا بأيدي المصريين يوم 7 إبريل عام 1250م.

فقد رصد الباحث عمرو عبد المطلب في تتبعه لسيَر العلماء شيخ الإسلام العز بن عبد السلام (1181- 1262م)، والقطب الصوفي السيد البدوي (1200 – 1276م)، والصوفي أبو الحسن الشاذلي (1196 – 1258م)، وغيرهم، أنهم لعبوا دورا جوهريا في دعوة الجماهير وحشدها للجهاد وقتال “الصليبيين” في هذه المعركة، وهو ما أدى لهزيمتهم، فأهالي المنصورة والمتطوعين أقاموا المتاريس، وكمنوا لجنود الملك لويس في الشوارع وفي المنازل وفوق الأسطح، وأغاروا على معسكرهم وأرهقوهم، وساهموا في تحقيق النصر عليهم.

 معركة المنصورة.. الجذور وتنازل السلطان الكامل عن القدس للإمبراطور الألماني فريدريك

ترجع جذور معركة المنصورة إلى عام 1193م بوفاة السلطان صلاح الدين الأيوبي، ليرثه في الحكم شقيقه السلطان العادل (1145 – 1218م)، ويقوم بتقسيم المملكة بين أبنائه الثلاثة قبل وفاته، تجنبا للصراع فيما بينهم، فيحدث العكس تماما، ويتناحر ثلاثتهم. كانت “مصر” وتتبعها فلسطين من نصيب الكامل محمد، الذي سارع للاستقواء على أشقائه (المعظم عيسى في دمشق، والأشرف موسى شمال الشام)، باتفاقية دفاع مشترك عام 1229م مع الإمبراطور الألماني فريدريك، يتنازل بمقتضاها “الكامل” لفريدريك عن “بيت المقدس”، الذي سبق لعمه صلاح الدين الأيوبي تحريره من “الصليبين” عام 1187م، بعد احتلال دام 90 عاما. مع وفاة السلطان الكامل (1238م) خلفه ولده “العادل الثاني”، ثم اعتلى ولده الصالح نجم الدين أيوب العرش عام 1240م، بعد أن قتل شقيقه راغبا في استعادة القدس. شرع “الصالح” في تقوية الجيش، وتحالف مع فريق من أمراء وجُند “الدولة الخوارزمية” التي أسقطها المغول بقيادة جنكيز خان عام 1231م.

الخوارزميون وهزيمة الصليبيين في موقعة غزة

تمكن نجم الدين والخوارزميون من هزيمة “الصليبيين”، في معركة غزة، عند قرية هربيا، وطردهم من بيت المقدس وفلسطين كلها. قرر ملك فرنسا لويس التاسع (أدرجته الكنيسة قديسا عام 1297م، بعد وفاته بـ22 عاما)، قيادة “حملة عسكرية” لاسترداد القدس، بمباركة بابا الكاثوليك إينوسينت، وعقد العزم على احتلال مصر أولا، لتكون بوابته إلى القدس والشام. ويُستفاد من رواية المؤرخ الدكتور جمال الدين الشيال (1911- 1967م)، في كتابه “تاريخ مصر الإسلامية”، أن لويس التاسع، تحرك من فرنسا على رأس قوة عسكرية من 80 ألف جندي محمولين مع العتاد والخيول على 1800 سفينة، فيما عُرف بـ”الحملة الصليبية السابعة”، ليصل في يونيو 1249م إلى دمياط (250 كلم تقريبا أقصى شمال شرق العاصمة المصرية القاهرة). صادف ذلك مرض السلطان الصالح، فارتبك قائد الجيش الأمير فخر الدين، وانسحب تحت جنح الظلام، لتسقط دمياط بيد الفرنسيين بلا قتال.. تماسك الصالح وتراجع مع جيشه جنوبا إلى المنصورة، لموقعها الحصين، إذ يحدها النيل غربا، وبحر أشموم الصغير شمالا، استعدادا للمعركة.

شجر الدُّر وقتال شوارع ومقتل الكونت أرتو وفرسانه

توفي الصالح نجم الدين أيوب في نوفمبر 1249م، فأخفت زوجته “شَجر الدُّر” المعروفة بالحكمة، الخبر، وأدارت البلاد كما لو كان زوجها حيًّا. علم “الفرنسيون” في دمياط بوفاة السلطان، فتحركوا نحو المنصورة. هناك استدلوا على “ممر ضحل” في بحر أشموم، فأرسل الملك لويس يوم 5 فبراير 1250م، شقيقه “الكونت أرتو” مع فرقة فرسان، لعبور الممر إلى الضفة الأخرى، والاشتباك مع الجنود المصريين وإشغالهم، حتى يتم إقامة جسر لدخول المنصورة منه. فاجأ “أرتو” وفرسانه عساكر المسلمين بالهجوم، ونالوا منهم وشتتوا جمعهم، وقُتلَ قائد الجيش، ووصلوا إلى قصر الصالح خروجا على الخطة المرسومة لهم. اشتبكت فرقة مماليك بقيادة ركن الدين بيبرس (ليس الظاهر بيبرس) مع الفرسان الفرنسيين في “قتال شوارع” عنيف، بمشاركة فعالة من أهالي المنصورة، انتهى بمقتل “الكونت أرتو” ورجاله، وهو ما نال من عزائم الفرنسيين فلم يتموا الجسر.

السلطان المعظم توران شاه وقطع الإمدادات واستسلام الملك

عاد الفريقان المصري والفرنسي للتمركز على ضفتي بحر أشموم الصغير، وحضر سلطان مصر الجديد “المعظم توران شاه”، واستقر بقصر المنصورة، وجرى قطع الإمدادات القادمة للصليبيين بحرا، فضاق “الملك لويس وجُنده، بانقطاع المؤن والعتاد، فأرسل إلى ” توران شاه” عارضا الصلح، بالتنازل عن دمياط مقابل بيت المقدس، لكن الأخير قابل العرض بالرفض. انسحب الفرنسيون في أول إبريل 1250م، باتجاه دمياط، عازمين على الرحيل عن مصر، وفور وصولهم إلى فارسكور بالقرب من دمياط لحق بهم المصريون، وانقضوا عليهم فقتلوا وأسروا منهم الآلاف، مما دفع لويس وقادة جيشه للاستسلام طالبين الأمان.

دار لقمان سجن للقديس لويس

هكذا سقط الملك لويس أسيرا مع قادة حملته، ليلة 8 أبريل، ونُقلوا إلى المنصورة ليسجن الملك لويس التاسع قرابة شهر، حتى تم إطلاق سراحه في 7 مايو 1250م بعد سداد زوجته مارجريت فدية ضخمة. وقد سُجن الملك لويس التاسع في “دار ابن لقمان”، وهي بيت قاضي المدينة (الذي تأسس عام 975م، على الطراز العربي القديم)، وقد تم تحويل هذا البيت لاحقا إلى “متحف المنصورة” وافتتحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يوم 7 مايو عام 1960م، لتخليد هذه الذكرى المجيدة لبطولة المصريين.

سجن لويس بعد تحويله إلى متحف
المصدر : الجزيرة مباشر