مقامات الوجد الكلثومية في “نهج البردة”

 

من يسمع أم كلثوم وهي تغني قصيدة شوقي “نهج البردة” تحديدًا حفلة دمشق، يدرك أنّ هناك شيئًا إلهيًّا في هذه الأغنية التي حلّقت فيها أم كلثوم إلى السّماوات العلى من الوجد. قال صديق موسيقي مصري لي: إنّ أم كلثوم تجلّت في دمشق؛ لأنّها تعرف أنّها أمام “سمّيعة فادّتهم”. لكن في رأيي الأمر لم يكن كذلك.

ليس غريبًا ذلك التّجلي، فأم كلثوم لا شكّ شربت من ماء الكوثر “الفيجة” قبل أن تصعد إلى المسرح، وربّما زارت مقام سلطان العارفين لينضم إلى جوقتها الرّوحية.

الثّلاثي العبقري

لم تشكّل أم كلثوم ثلاثيًّا عبقريًّا في أغنياتها كما حدث عندما غنّت لأمير الشعراء أحمد شوقي من ألحان السنباطي، على الرّغم من أنّ أحمد رامي منحها جزءًا من روحه وقلبه وعقله في كلّ ما كتب لها، وما لحّنه محمد القصبجي والشّيخ زكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب وحتّى بليغ حمدي والشّيخ سيد مكاوي، لكن تبقى ألحان السنباطي متفوقة في رفع المقام الموسيقي إلى مقام من الوجد خاصة في “نهج البردة”.

تفاصيل لحنية وصوتية

لا نستطيع حصر الإبداع في الأغنية بمقطع شعري أو تنويع لحني أو مقدرة صوتية، ففي كلّ كلمة تنطقها أم كلثوم في هذه الأغنية تفردٌ في اللحن والصّوت. لنتوقف عند قول شوقي:

حتّى بلغتَ سماءً لا يُطارُ لها ….. على جناحٍ ولا يُسعى على قدمِ

الإبداع في هذا البيت جاء كتابة أولًا حين بنى شوقي الفعل “طار” للمجهول، فأصبح يُطار، والفعل “يسعى” يُسعى، بما يفيد شمول الاستحالة على أيٍّ كان في الوصول إلى المرتبة العلية التي بلغها رسولنا الكريم ﷺ.

وجاء السنباطي ليلحّن الأغنية على مقام “الهزام سيكا” المستخدَم عادة في الأغاني الدّينية، وقد اختار السنباطي من هذا المقام تفريعة “راحة الأرواح” كأنّما ليصل بالمستمع مع صوت أم كلثوم إلى مرحلة من الوجد لم يسبقه إليها أحد من قبل. والمعروف عن السنباطي أنّه لا يترك جملة موسيقية في حالها، لا بدّ أن يُدخل مقامًا جانبيًّا ولو على سبيل “العُربة” وهذا ما يجعل أم كلثوم تحلّق وهي تنطق الحروف، فنشعر بنشوة الوجد مع كلّ كلمة وتلوّنها فتكاد تطير. بل طارت أم كلثوم حقًّا في تلك الأغنية وبلغت السّماء، وحوّلت مقام “راحة الأرواح” إلى تحليق الأرواح، وهو ما أدركه جمهور تلك الحفلة الذي طار به الطّرب حدّ اختلاط الواقع بالخيال.

لكنّ الإعجاز لم يكن هنا فقط بل في مقدرة السنباطي لحنًا وأم كلثوم أداءً على جعل حروف العربية تحمل قدرة تصويرية يكاد السّامع يراها رؤية العين. حين غنّت:

أتيتَ والنّاسُ فوضى لا تمرُّ بهم ….. إلّا على صنمٍ قد هامَ في صنمِ

الضّاد في (فوضى) تعطي السّامع إيحاءً بالفوضى التّامة، سيراها بوضوح وكأنّه يشاهد فيلمًا.

ولو عدنا إلى البيت المعجز لحنًا وأداءً (حتّى بلغتَ سماءً) سنجد الهاء في (لها) تترنّح في انخفاض وصعود وكأنّها قبسٌ من نور. أما اللام في (لا) فتمتدُّ في مقام الوجد لتأتي الألف بعدها موحية ببعد المسافة وعظمتها، بينما ترتعش الرّاء في كلمة (العرش) ارتعاش الخاشع، وكأنّ أم كلثوم في حضرة النّبي ﷺ الذي يتقدّم لاستلام العرش.

وعندما تصل إلى “يا ربِّ هبّتْ شعوبٌ من منيّتِها”.

نجد أم كلثوم تنطق (يا ربِّ) بطريقة تتدرج في تكرارها مرّة إثر مرّة صاعدة السّلم الموسيقي حتّى وصلت إلى “جواب السيكا” ثمّ وبكلّ أناقة تعود إلى القرار. في الذّهاب والعودة يصعد المستمع سماء لا حدود لها ويرجع إلى أرضيته ليصرخ معها: “يا رب”.

بين ابن عربي وأم كلثوم

“ونودي اقرأ تعالى اللهُ قائلُها” إن لم يكن هناك راحة للروح في كلّ ما غنّت أم كلثوم فإنّها موجودة في هذه الجملة. لفظ “الله” الذي وصل إلى المقام القريب منها “مقام شيخنا سلطان العارفين محيي الدّين بن عربي” وكأنّها قدمت من مصر إلى دمشق لتراه وتغني بروحه كما قصده مولانا جلال الدّين الرّومي من “قونية” ليتتلمذ على يديه.

لحن السنباطي روح الأغنية

لا شكّ أنّ الأغنية لن تكون بهذه الرّوعة لو لم تكن من ألحان السنباطي، الموسيقار العبقري الذي كان لاختياراته الشّعرية السّبق في مجال الأغنية الدّينية.

يقول “صميم الشريف” في كتابه عن السنباطي، إنّ السنباطي في إلحاحه على تلحين الشّوقيات الدّينية، كان يدعو النّاس إلى النّضال الحقّ ضدّ كلّ ما هو باطل، وهو لم يلجأ إلى ذلك إلّا عندما امتدّت الرّقابة البريطانية لتشمل نصوص الأغاني أيضًا بعد قصيدتي “إلام الخلف” و “السودان”.

في رباعيات الخيّام اختزل السنباطي بالمطلع الموسيقي “الهادئ الإيقاع” هدف القصيدة الصّوفي، وأوحى للمستمع من خلال لحن النّاي المُحلّق في أجواء سحرية علوية تقرّبه من الذّات الإلهية، بينما أكّد إيقاع الدّفوف والمزاهر، واللحن المُقطّع على الإيقاع والمرافق له أنّه ما زال على الأرض.

هذا الأسلوب الذي اتّبعه السنباطي في التّلحين كان جديدًا في الموسيقى العربية، وقد استغرق تلحينه لها سنة كاملة.

لكن تبقى “نهج البردة” نسيج وحدها من حيث اللحن والأداء والتّأثير.

المصدر : الجزيرة مباشر