محاكمة أكرم إمام أوغلو.. والقشة التي قصمت ظهر البعير

أكرم إمام أوغلو

صراع محتدم تشهده أروقة حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيس على الساحة التركية، كشفت تفاصيله المحاكمة التي تُجرَى لأكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول، على خلفية تصريحات له اعتُبرت إساءة شخصية لرئيس الهيئة العليا للانتخابات سعدي غوفن وعشرة من أعضاء الهيئة. وقد جاءت هذه التصريحات خلال الانتخابات المحلية عام 2019، وبناءً عليها يطالب الادعاء العام بحبس أوغلو أربع سنوات وشهرا.

تصاعد الأمر مؤخرا أحدث تحولا كبيرا وملموسا في مواقف قطاع كبير داخل الحزب تجاه الأحق بالترشح لخوض السباق الرئاسي في مواجهة الرئيس أردوغان، إذ تعالت أصوات المؤيدين لترشيح منصور يافاش رئيس بلدية أنقرة بالمطالبة باستبعاد اسم إمام أوغلو من هذا السباق، وتوجيه العديد من الانتقادات لممارساته وتصريحاته، التي أصبحت تأتي دوما بنتائج عكسية، وتنتقص من شعبية الحزب نفسه.

إقصاء أكرم إمام أوغلو عن المشهد السياسي، ورفع اسمه من قائمة المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية في حال حدوثه سيزيلان دون شك عبئًا ثقيلا عن كاهل الجناح الموالي لرئيس الحزب كمال كيليشدار أوغلو، ويزيد من فرصه كي يصبح المرشح الوحيد لتكتل المعارضة، في ظل عدم وجود رغبة قوية لدى منصور يافاش في الترشح، وتفضيله البقاء في منصبه كرجل دولة، يقوم بعمله المكلف به في رئاسة بلدية فقط، مما يعني أن الطريق أصبح ممهدا أمام كيليشدار أوغلو للترشح بعد موافقة شركائه في التحالف الانتخابي.

سياسة الكيل بمكيالين تجاه اللاجئين

تصاعد الرفض ضد إمام أوغلو خلال الأسابيع الماضية لم يأت من فراغ، فالرجل بنفسه ساهم دون قصد منه في زيادة معارضته داخل الحزب، من خلال تصرفاته التي أصبحت مثار غضب العديد من قيادات الحزب الحاليين منهم والسابقين، وجعلته هدفا سهلا لانتقاداتهم، حتى وصل الأمر إلى اتهامه بالغرور والنرجسية.

فإمام أوغلو الذي دأب على انتقاد سياسة الحكومة تجاه اللاجئين السوريين، وسعى بكل همة ونشاط لسدّ سبل العيش في وجوههم، من خلال إصداره العديد من القرارات للتضييق عليهم بهدف دفعهم إلى الرحيل عن المدينة، قام مؤخرا بالتوجه إلى العاصمة البولندية وارسو، ومنها إلى رومانيا خصيصا لزيارة مراكز إيواء اللاجئين الأوكرانيين هناك، معلنًا إرساله 12 شاحنة محملة بالمساعدات الغذائية والإنسانية، مبديًا تعاطفا كبيرا معهم في محنتهم، وما يواجهونه من مصاعب نتيجة الحرب الروسية على بلادهم.

وهو تحرك أغضب الكثيرين، وأثار العديد من التساؤلات حول أسباب سياسة الكيل بمكيالين التي يتبعها رئيس بلدية إسطنبول مع ملف يتسم بالحساسية البالغة، ويتطلب التعاطي معه بقدر كبير من الحيطة والحذر.

وقد شنّ أوميت أوذداغ -وهو أحد القيادات السابقة لحزب الجيد ويشغل حاليا منصب رئيس حزب النصر التركي- هجوما عنيفا على أكرم إمام أوغلو، متهما إياه بالانتهازية، ومطالبا بضرورة استبعاده من قائمة المرشحين المحتملين لخوض السباق الرئاسي، وذلك على خلفية قيامه بزيارة مدينة ديار بكر، وإعلان تضامنه مع رؤساء البلديات الذين أقالتهم وزارة الداخلية بعد اتهامهم بالتعاون مع عناصر حزب العمال الكردستاني، وجميعهم أعضاء في حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، وأكد أوذداغ انخفاض شعبية إمام أوغلو بعد سياساته التي توصف دوما بأنها طائشة، وممارساته غير الواقعية التي ينتهجها منذ انتخابه رئيسًا لبلدية إسطنبول.

السعي الحثيث لاستقطاب التيار العلماني التركي

ولعل أبرز تلك الممارسات ما قام به خلال العاصفة الثلجية التي ضربت إسطنبول الشتاء الماضي، وفشله في اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهتها، واستهتاره بمعاناة سكان المدينة البالغ عددهم ستة عشر مليونا، حين ترك مهامه في رئاسة البلدية في وقت ذروة العاصفة ليجتمع على الغداء مع السفير البريطاني في أحد مطاعم الأسماك على شاطئ البحر، وردًّا على الانتقادات التي وُجهت إليه، قال إن المسؤولين أيضا لهم الحق في تناول الطعام، وإن لقائه بالسفير لا يقل أهمية بأي حال من الأحوال عن مواجهة تداعيات أزمة العاصفة الثلجية!

لقاء إمام أوغلو بالسفير البريطاني لم يكن اللقاء الوحيد الذي يجريه مع السفراء الأجانب ويتسبب له في لوم شديد، وانتقاد حاد من جانب حزبه، ومسؤولي الحكومة، والأحزاب السياسة الأخرى، الذين رأوا في تصرفه خروجا عن مهام عمله كرجل خدمات وليس رجل علاقات دبلوماسية، فبعد مرور أسبوع على هذا اللقاء، قام رئيس بلدية إسطنبول بدعوة السفير الأمريكي الجديد عقب تعيينه لزيارته في مقر البلدية العامة.

ويبدو أن إمام أوغلو لديه حرص شديد على التواصل مع مكونات المجتمع الغربي بصفة عامة، في محاولة لاستقطاب أصوات العلمانيين والمحافظين الأتراك عبر إظهار مدنيته وعلمانيته المغلفة بمسحة محافظة، فإلى جانب زياراته المتكررة لأهم مساجد تركيا، وقيامه بنشر صور تجمعه مع والدته المحجبة، قام بالتوجه إلى بروكسل، حيث تحدث في اجتماع للمجلس الأوروبي، مقدما تقريرا مفصلا عن الانتخابات المحلية التركية، متهما حزب العدالة والتنمية باستغلال موارد الدولة لدعم مرشحيه، ومنتقدا قرار وزارة الداخلية بعزل رؤساء البلديات التابعة لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي.

تصرفات أوغلو والانتقاص من السيادة الوطنية

وبدلا من تلقي الثناء الذي كان ينتظره من وراء تلك الزيارة، والتصفيق الحاد لجرأته التي تحدث بها أمام المجلس الأوروبي، وما تناوله في خطابه، انهالت عليه الانتقادات من كل حدب وصوب، إذ اعتبر الجميع أن ما قام به خيانة للوطن وتشويها لسمعته في المحافل الدولية، وانتقاصا من سيادته الوطنية، إذ كيف يتم انتقاد الدولة بهذه الصورة أمام تجمع لا علاقة له بالسياسة الداخلية التركية!

الغريب أنه في كل مرة توجه فيها انتقادات لأكرم إمام أوغلو بسبب سلوكياته، وخطأ سياساته يسارع إلى الشكوى من أن الحكومة تقف ضده وتحاربه بكل الوسائل، وتتصيد له الأخطاء، ساعيا لتحويل الدفة، واستدرار تعاطف الجماهير معه.

ورغم كل هذه الأخطاء التي ارتكبها إمام أوغلو، والتي يمكن أن تكون أسبابا منطقية لاستبعاده من السباق الرئاسي، لكونه بهذا قد لا يكون أوفر حظًّا من كمال كيليشدار أوغلو، فإن الوقت لا يزال مبكرا لحسم مسألة الترشح تلك، في ظل حالة الضبابية التي تهيمن على مواقف الأحزاب الرئيسية حتى الآن.

المصدر : الجزيرة مباشر