الفتوحات الجديدة لظلّ الرّئيس

ما الذي يمكن أن يفعله الطّاغية المستبد عندما يأوي إلى ظلّه، ويدخل في عتمة التّلفزة والإعلام؟ كيف يتصرّف ليلفت انتباه باقي اللاعبين على أرضه الخراب؟

منذ سنوات عديدة تراجع الخبر السّوري رويدًا رويدًا عن أولويات وكالات الأنباء العالمية إلى أن صار في ذيل اهتماماتها، أو لنقل خارج دائرة الاهتمامات باستثناءات قليلة تتناول تصريحًا من هنا أو خبرًا عن محاسبة أو تعويم من هناك، وبعد نشوب الحرب الرّوسية على أوكرانيا نستطيع القول إنّ الملفَ السّوري قد تمّ رميه نهائيًا في سلّة المهملات، ليتصدّر الشّاشة ملفٌ جديد قد لا يدوم أكثر من سابقه ليلحق به، خاصّة وأنّ روسيا -الآمر النّاهي في سوريا- منشغلة اليوم كلَّ الانشغال بأوكرانيا. ومن خلال تجربتنا السّورية في التّعاطي مع روسيا نستطيع القول إنّ الدّب الرّوسي لم يتجاوب يومًا بأيّ مفاوضات تتناول التّغيير الشّامل، إنّما كان جُلّ اهتمامه في جزئيات صغيرة تتعلّق بأمورٍ إغاثية؛ أو فتح ممرات إنسانية تساعد في عملية التّغيير الدّيمغرافي فقط.

الفتوحات الجديدة لبشّار الأسد

ما سبق زاد في عزلة الأبله السّوري، فلم يبقَ أمامه سوى العودة إلى أساليبه العتيقة كأن يستدعي أتباعه من أصحاب العمم الإسلامية ويخطب فيهم راسمًا لهم الأطر الجديدة في التّعاطي مع الفقه، وضرورة نبذ أصحاب فكرة التّجديد والتّنوير فاتحًا الباب واسعاً لمرحلة جديدة من التّكفير لكلّ صاحب تفكير، ولم يتخلَّ عن طبيعته الاستهزائية السّمجة في التّحدث عن كلِّ من يطرح أدنى فكرة لا تصبُّ في تمجيده وتأييده. وعلى غير العادة التي درج عليها رؤساء سوريا منذ عشرات السّنين في دعوة علماء الدّين إلى إفطار رمضاني فقد تخلّى عن هذه العادة مكتفيًا بتشريبهم حكمته في الفقه والفتوى بدلًا من تكريمهم بالطّعام إلى جانبه “وربّما يكون ذلك من باب التّقشف وعدم قدرته على إطعامهم بسبب غلاء الأسعار”، ويندرج هذا الخطاب فيما اعتاد عليه عندما يتوجّه إلى الدّاخل.

أمّا فيما يتعلّق بمخاطبة الخارج، فقد أصدر مرسومًا مدنيًا يُجرّم فيه التّعذيب في السّجون، المرسوم الذي أثار قهقهات السّوريين على مواقع التّواصل وسخرية غير السّوريين عالميًا، فظاهر المرسوم يمنحه صورة مدنية ليبرالية مشرقة -كما يظنّ- يجعل من مؤيديه في سوريا وفي الخارج يصحون من نومهم الطّويل ليتشدقوا بمدنيته وإنسانيته دون أن يكلّف أحدهم عناء تذكّر آلاف المجازر داخل السّجون السّورية، وكذلك لن يكلّف أحدهم عناء البحث في عشرات آلاف الصّور المُسرّبة (صور قيصر) رغم شهرتها العالمية، ورغم أنّها ما تزال تُعرض في أنحاء العالم. علمًا أنّ قانون عدم محاسبة عناصر المخابرات وحتّى المخبرين على أيّ فعل يرتكبونه ما يزال ساري المفعول إذ لم يُشر إليه المرسوم الجديد إطلاقًا، ولا أدري بأيّ قانون سيحكم قضاة السّلطان إذ يستطيع أيّ محامٍ أن يُشهر في وجه القاضي القانون الذي يناسبه!

قوانين خلبية

هذه المراسيم والقوانين الاعتباطية التي يتسلّى فيها طاغية ينتظر تعويمه على أحرّ من الجمر، يبدو أنّها انعكاس لفهمه الخاص للتعاطي الدّولي مع الملف السّوري، هذا التّعاطي الذي لا يقلّ اعتباطية عن اعتباطية بشار الأسد. ولو عدنا إلى محاكمة العقيد أنور رسلان في ألمانيا لوجدنا أنّها كانت خبزًا يوميًا للصحافة والإعلام الغربي، وكنّا نتابع أدق التّفاصيل وأحيانًا نقلًا حيًا من داخل قاعة المحكمة، أمّا محاكمة الطّبيب السّوري علاء موسى المتهم بتعذيب المرضى المعتقلين في المستشفيات فقد غابت غيبة كبرى ولم نعد نرى أيّ خبر عنها مهما كان تافهًا أو مهمًا!

ما يجعل المرء يتساءل عن مدى مصداقية الغرب في التّعامل مع ملف محاسبة مجرمي الحرب في سوريا.

الملف السّوري بين مطرقة الأسد وسندان الائتلاف

هذا الإهمال المتعمّد للملف السّوري جعل الطّاغية يتمادى في غيّه وعبطه في الوقت الذي صار الائتلاف الوطني ومنذ سنوات خارج التّغطية لدرجة أنّه قبل عبر لجنته الدّستورية بمناقشة الكثير من الثّوابت الوطنية على طاولة التّفاوض، كما رأينا في اجتماعه الأخير في جنيف الذي عقد في شهر مارس/آذار الماضي. وجنيف لم يقدّم للسوريين منذ اجتماعه الأوّل وحتّى الآن سوى حوار الطّرشان الذي لا طائل منه، ولم يستطع الائتلاف التّقدّم خطوة إلى الأمام لحلّ القضية. أمّا الأسد فسيطول انتظاره ريثما يحين موعد تعويمه، إذ لم يعد اهتمام بوتين بالملف السّوري ضمن الأولويات، وحتّى لو كان، فإنّ موقف الأسد المساند لروسيا في حربها ضدّ أوكرانيا جعل قضية التّعويم تتخبط بين أحلام النّوم تارة وأحلام اليقظة تارة أخرى في ظلِّ موقف غربي بدأ يتحسس الخطر من التّمدد الرّوسي، ويعيد إلى الأذهان ظلال الحرب الباردة التي سادت القرن العشرين وصراعات السّتالينية السّوفييتية مع العالم الغربي.

لاشكّ أنّنا في سوريا أمام مرحلة أشبه بمرحلة الحاكم الرّوماني الشّهير كاليجولا الذي عيّن حصانه وزيرًا، وقدّم له ولبقية الوزراء وليمة عامرة من التّبن المجفف ربّما كانت تليق بأعضاء المجلس الفقهي الإسلامي السّوري وأتباعهم من مشايخ السّلطان الذين اجتمع بهم بشار لتلقينهم أصول الفقه وشروط الاستنباط من الكتاب والسّنة، وقد يصدر مرسومًا في القادم من الأيام يحدد فيه طريقة تناولهم للطعام وأوقات نومهم وما يرتدونه من ملابس. تلك القضايا الشائكة التي لا يصلح لها سوى رئيس من وزن بشّار الأسد ورجاحة عقله.

المصدر : الجزيرة مباشر