الحرب الروسية الأمريكية في باريس.. وقصر الإليزيه

ماكرون ولوبان ونتائج الجولة الأولى

إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا المنتهية ولايته كان آخر الواصلين من بين المرشحين لمقر الاقتراع لينتخب نفسه مع حلم البقاء في الإليزيه، أما عدوه اللدود ومصدر أبشع كوابسه “مارين لوبان” بدت وكأنها تنتظر شروق صباح يوم الانتخابات الفرنسية على باب أحد مراكز الاقتراع لتكون أول من ينتخب نفسها مع حلم الوصول إلى الإليزيه بعد تجربتين مريرتين فاشلتين.. من بين 12 مرشحا للانتخابات الفرنسية كان الجميع على علم بأن المعركة المحتدمة في جولة الإعادة المقبلة في 24 أبريل هي بين ماكرون زعيم حزب “الجمهورية إلى الأمام “ومارين لوبان زعيمة حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف.. ولكن تبقى الحرب الحقيقية داخل فرنسا ليست بين الفرنسيين بل بين روسيا البوتينية وأمريكا البايدنية، اللذين يتحاربا بالعسكر ودعم الجيوش والعقوبات على جبهات أوكرانيا. فاليوم يتحاربان باللعب والتأثير على الانتخابات الفرنسية، إذ تلقي أمريكا ومعها أوربا بكل ثقلها دعما لماكرون خشية فوز لوبان التي عبرت مرارا وتكرارا وبلا خجل عن إعجابها ببوتين ودعمها له.. وإن لم تغب عن انتخابات فرنسا كالعادة عداء المهاجرين والاسلاموفوبيا واللعب على أوتار العنصرية، إلا أن تزامن الانتخابات مع توجه أنظار العالم نحو فظائع حرب روسيا على أوكرانيا غيّر بعضا من قواعد لعبة الانتخابات الفرنسية لعام 2022، خاصة مع تكرار مواجهة لوبان وماكرون في جولة الإعادة في محاكاة لسيناريو انتخابات 2017 ولكن بمعطيات مختلفة جدا تجعل من شبح اليمين المتطرف ومن ويلات الحرب الروسية الأوكرانية تخيم على فرنسا وكل أوربا، في وقت تنكفئ فيه الأحزاب الحاكمة السابقة (الحزب الاشتراكي/ والجمهوريون المحافظون) ومن الصعب تعافيها وقد يطول غيابها عن الحكم.

“الانتظار والأنظار”

دورة الإعادة بين ماكرون ولوبان في 24 أبريل، تقف فيها أوربا وأمريكا ومعها روسيا، وليس فرنسا وحدها، على قدم واحدة بانتظار من سيحسم الحرب: ماكرون بايدن؟ أم لوبان بوتين؟.. فوز لوبان من وجهة نظر واشنطن يزعزع استقرار التحالف الغربي ضد روسيا، ما يعني أن فوزها يعد أكبر انتصار لبوتين في باريس، في وقت يعلم القاصي والداني مدى إعجاب لوبان وكل اليمين الأوربي المتطرف ببوتين، وهذا سيقلب حال فرنسا، ستنتقل كقوة أوربية رائدة بالتحالف ضد موسكو إلى دولة حليفة لروسيا ومعادية لأوكرانيا وكل الغرب، ما سيؤدي لانسلاخ فرنسا عن محيطها والتنكر للاتحاد الأوربي وحلف الناتو وحتى للتحالف مع واشنطن، وبالتالي دفع بعض قادة الناتو الآخرين لاتخاذ مواقف جديدة بشأن بقاء التحالف.
مع فوز لوبان لن تستطيع واشنطن اعتبار هذا، إلا انتصارا سياسيا جديدا لبوتين يعينه على الانتصار في حربه على أوكرانيا، في ظل تخوف من انقلاب زعماء أوربيين آخرين حال انقلاب فرنسا مع وصول اليمين المتطرف الداعم لبوتين إلى قصر الإليزيه، بعد أن كان زعماء أوربا بالفعل متمردين بشأن مواجهة روسيا.. ما يعني أن فرصتهم ستحين للنأي بأنفسهم عن تبعات اقتصادية كارثية، خاصة مع تصريحات للوبان قالت فيها “نرفض أن نموت اقتصاديا بسبب هذه الحرب”، ورفضها قطع واردات النفط والغاز مع روسيا وفق مبررات على رأسها قولها: “علينا أن نفكر في شعبنا”. سياسياً لم تجد مارين لوبان غضاضة أن تقول قبل أسبوعين من الانتخابات: “إن بوتين يمكن أن يصبح حليفا لفرنسا مرة أخرى عندما تنتهي الحرب” وهو ما يذكر بموقف لوبان الداعم لروسيا عند غزوها القرم عام 2014.. كل هذا حدا بتقارير استخباراتية تسليط الضوء على الأدوار المحتملة لروسيا للتدخل في الانتخابات الفرنسية عبر حملات دعائية وهجمات سيبرانية دعما لمارين لوبان ضد ماكرون في محاولة لإيصال اليمين المتطرف لقصر الإليزيه.

“الإليزيه والاسلاموفوبيا”

سواء فازت لوبان بجولة الإعادة أو ماكرون، أم انتصرت أمريكا في باريس أو روسيا، يبدو الأمر سيان للمسلمين والمهاجرين في فرنسا، حيث بدأ يظهر تأثير اليمين الأشد تطرفا حتى من لوبان مثل المرشح “إريك زمور” إذ إن لوبان تصنف نفسها على أنها شعبوية حميدة، ومع هذا ما زالت تبني حملتها الانتخابية على عداء الهجرة والإسلام مع وجود خطط حظر الحجاب في جميع الأماكن العامة، ومنع الأجانب من التمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها المواطنون الفرنسيون، حتى إن اسم عائلة لوبان لدى المهاجرين مرادف للعنصرية وكراهية الأجانب، وهي الآن تتصدر حزب اليمين المتطرف المناهض للهجرة الذي أسسه والدها، لكن حال كثير من المترشحين لم يكن أفضل حالا إذا ما أرادوا كسب أصوات الفرنسيين، حتى بات عداء المهاجرين ورقة يتكل عليها معظم المترشحين!! باستثناء اليسار وأقصى اليسار اللذان يدعمان المهاجرين، في وقت تشير فيه حقائق سياسية واجتماعية واقتصادية على الأرض في فرنسا إلى أن ماكرون مازال المرشح الأوفر حظا رغم أنه خسر المزيد من الشعبية أمام اليمينية المتطرفة مارين جراء أن هناك فئة واسعة من الناخبين غير راضية عن أداء ماكرون ولا تريد منحه صوتها أو رؤيته في الإليزيه ثانية، إضافة إلى وجود فئة غير مقتنعة بباقي المرشحين سواء من اليمين أو من اليسار ما يزيد من مخاوف مقاطعة الانتخابات في جولة الإعادة.

المصدر : الجزيرة مباشر