الكاهن المسالم والمشرّد القاتل.. أين المشكلة؟

قبل الحادث

خطيرة ومرعبة، هي جريمة قتل “كاهن مسيحي” مُسالم وسط مرافقيه من الشبان والفتيات، ذبحا، على قارعة الطريق، جهارا، مع غروب شمس الخميس الفائت، دون ذنب جناه، في مدينة الإسكندرية (220 كيلومترا شمال العاصمة المصرية القاهرة) التي اشتُهِرت منذ ما قبل الميلاد، بالثقافة والتنوع والتسامح، واحتضان البشر من مختلف الديانات والأجناس والعرقيات.

فقد ذُبح كاهن كنيسة السيدة العذراء في محرم بك، القمص أرسانيوس وديد.. ذبحه رجل ستيني، ساعة الغروب، في محيط “شاطئ سيدي بشر” أمام بوابة أبو هيف.. تسلل المتهم مُخترِقا مرافقي “الكاهن”، شاهرا سكينا بيده، طعنه بها في رقبته من الخلف، طعنةً قاتلة، وسط ذهول الحضور، قبل أن يتم الإمساك به وشل حركته، وتسليمه إلى الشرطة. الكاهن القتيل القمص أرسانيوس وديد، عُمره 56 عاما، ويعمل في خدمة الكنيسة منذ 27 عاما.. تمت سيامته كاهنًا عام 1995، بيد الراحل بطريرك الكرازة المرقسية البابا شنودة الثالث (1923- 2012)، وترقى قمصا منذ ستة أشهر، بيد البابا الحالي تواضروس الثاني.

أين المشكلة؟ المعلومات الأولية تفيد بأن المتهم يرتدي ملابس بالية ومُشرّد، وأنه ربما يكون مختلا نفسيا أو عقليا، مما استلزم إيداعه تحت الملاحظة الطبية، لبيان إن كان مختلا بالفعل أم لا.. بينما كان القمص القتيل مرتديا الزي الكهنوتي الديني، عائدا من رحلة ترفيهية وبصحبته مجموعة من الشبان، ويتابع صعودهم للحافلة التي ستنقلهم إلى وجهتهم. إنها جريمة كاشفة، فلو افترضنا إنها “فردية” بلا خلفيات إرهابية تنظيمية تقف وراءها، حسبما يبين من التحقيقات، فإنها تدق نواقيس الخطر، إنذارا بأن “التطرف والتعصب والكراهية” تسكن الوجدان والنفس والقلب لكثيرين منا، تجاه الآخر المختلف دينيا.

دوافع أقوى تحكما في السلوك.. سواء كان مُختلا أم سليما

خطورة مثل هذه الأفكار والمشاعر والقيم الرديئة -من تعصب وكراهية وما شابه- أنها “كامنة”، تتحين الفرصة للظهور والتعبير عن نفسها، بمثل هذه الحوادث، التي لا يُحمَد عقباها على المجتمع ووحدته وسلامه الاجتماعي.. لا يغيّر من هذا، أن يكون المتهم مُختلا نفسيا أو عقليا، أو سليما مُعافى، فهو في الحالين قد استهدف “شخصا مختلفا عنه دينيا”، دون سابق معرفة أو خلاف أو سبب ظاهر.

دوافع المتهم هنا لقتل الكاهن نابعة مما هو ساكن في أعماق نفسه من تعصب وكراهية تجاه المخالف له دينا أو عقيدة، ومثل هذه الدوافع أقوى تحكما في سلوك المرء من “العقل” ذاته، وكلما كانت متجذرة في النفس أمكنها إزاحة “العقل” وتغييبه، ليسلك المرء أحيانا “بلا وعي” ما يورده موارد الهلاك، ويمثل خطرا على المجتمع ككل.

إن هذه الجريمة ليست الأولى من نوعها في الإسكندرية، فقد شهدت نفس المنطقة (سيدي بشر)، عام 2017، سابقة قيام شخص بقتل تاجر خمور “مسيحي”، ذبحا بسكين كبير، حيث قام القاتل (تم إعدامه لاحقا) بطعن “التاجر” في رقبته من الخلف، أثناء تدخين الشيشة أمام متجره، وفر هاربا شاهرا سيفا في وجوه الناس. عند استجوابه، أفاد القاتل بأنه كان قد حذر القتيل بعدم بيع الخمور، ولم يتوقف عن بيعها، وأنه شاهد فتاوى لعدد من شيوخ الفضائيات، تبيح له فعلته.. كما تبين أنه لا يجيد القراءة والكتابة، وكثير الشجار مع المسيحيين.

شيخ الأزهر.. وحُكم قتل النفس والحروب الدينية

أحزاب سياسية ومؤسسات ثقافية ودينية، أدانت هذه الجريمة، على رأسهم الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور أحمد الطيب، فقد أصدر بيانا، مُعزيا فيه البابا تواضروس الثاني، وأسرة الكاهن، وعموم المسيحين، مستذكرا تعاليم الدين الإسلامي، بأن قتل النفس إحدى الكبائر الموجبة لغضب الله وعذابه في الآخرة، وأن الله جعل قتلَ نفسٍ واحدة كقتل الناس جميعًا. “الطيب” اختتم بيانه محذرا من أن هذا الحادث وأمثاله، هو “طريق مُعبَّد لإشعال حروب دينية بين أبناء الوطن الواحد”، ليضع يده على مكمن الخطر، إذ “المشاحنات والحوادث” ذات الأبعاد الدينية أو الطائفية أو المذهبية أو العرقية، وما شابه، هي الطريق السريع لهدم الدول وإحالتها إلى كيانات مهلهلة، لإمكانية تحولها إلى شرارات تحرق الأوطان بنارها، بفعل الضغينة والكراهية التي تُنتجها بين أبناء البلد الواحد.

الإدانة الجماعية للحادث وحدها لا تكفي، فعلى الدولة -بمؤسساتها التربوية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والدينية- الانتفاض لدراسة هذا التعصب والتطرف الساكن في النفوس والعقول، وأسبابه وسبل علاجه، بأسلوب علمي، وصولا إلى القضاء عليه، وهي مهمة ليست سهلة، بل تستلزم جهدا علميا ومتخصصا، وتعاونا لإجراء أبحاث واستطلاعات شفافة، ضمانا لسلامة المجتمع وبنيانه.

التسامح والتعايش في المقررات الدراسية.. وخطاب متشدد

واقع الحال يشي بوجود خطاب متشدد، يتبنى أفكارا وتراثا، يغذي التطرف، على شاكلة حُرمة تهنئة المسيحيين في أعيادهم وغيرها، بخلاف مواقع تنشر وفضائيات لا تتورع عن استضافة متطرفين على شاشاتها، يفتون بما يفرّق أكثر مما يجمع.

لدينا مقررات دراسية تعليمية يلزم تطويرها، لإدماج مفاهيم التسامح وتقبّل الآخر والتعاون والتعايش، وغيرها من القيم البناءة، بدلا من العشوائية الحاكمة لأفكار تطوير المناهج، بالحذف والإضافة أو التغيير، دون أهداف تربوية معلومة.

المُشرّدون والمرضى عقليا ونفسيا.. أكثر خطرا

هذا كله لا يمنع الدولة من احتواء ظاهرة المُشرّدين في الشوارع، وهم بالملايين، لتدبير سُبل الحياة الآمنة والتأهيل السليم لهم، سواء كانوا أطفالا لحمايتهم من التحول إلى الإجرام والبلطجة، أم مُسنّين غدر بهم الزمن دون مظلة حماية اجتماعية.

أما المُشرّدون المرضى عقليا أو نفسيا، فلا يجوز تركهم هكذا في الشوارع، ويجب علاجهم، لأنهم أكثر خطرا على البلاد، على النحو الذي حدث في جريمة قتل كاهن الإسكندرية.

 

في رحلة يوم الحادث

 

 

 

 

 

 

 

المصدر : الجزيرة مباشر