بوتين جادّ في تهديداته النووية.. وهذا ما ينتظر العالم!

كيم جونغ أون

في أبريل/نيسان 1986، حدث انفجار خطير في محطة تشرنوبل للطاقة النووية شمالي أوكرانيا، وكان ذلك الانفجار الذي أخذ الاتحاد السوفيتي على حين غِرّة أحد أسوأ الكوارث النووية في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا تزال آثاره باقية حتى اليوم، وربما تكرر مع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا بصورة تَرمي بشرَر.

مغامرة بوتين الجبار

مرة أخرى حبس العالم أنفاسه مع وصول القتال إلى محطة زابوريجيا لإنتاج الطاقة النووية، التي اشتعل فيها الحريق بسبب هجوم القوات الروسية. وتثير تلك الحرب احتمالات تدمير أنظمة احتواء المفاعلات والتبريد، مما قد يؤدي إلى إطلاق نشاط إشعاعي أكبر، ويجتر مأساة تشرنوبل.

صحيح أنه تم السيطرة على حريق زابوريجيا، وهى سيطرة غير مأمونة في ظل الحرب المستعرة هناك، والانفجارات التي تحدث على نحوٍ عشوائي بين فينة وأخرى، مما يعني أن العالم ربما يشهد كارثة نووية كبرى جراء مغامرات بوتين، الذي من أجل كسب الحرب واستعادة الأمجاد السوفيتية، صار يتقمص حاليًا شخصية شمشون الجبار، تلك الشخصية التراثية العربية، يريد أن يهدم المعبد على الجميع، وينتصر ولو بمنطق “عليّ وعلى أعدائي”!

محطات تحت فوهة النيران

رغم السيطرة الروسية على مفاعل تشرنوبل ومحطة زابوريجيا، فإن أوكرانيا تمتلك 15 مفاعلًا نوويًا تشمل ستة مفاعلات في الخدمة بمنطقة زابوريزهزهيا، وثلاثة جنوبي البلاد، وأربعة بمنطقة ريفني، واثنين في خميلننيتسكي، وهى كلها مناطق تحت فوهة المدافع والقنابل والصواريخ، وقابلة لاندلاع الحرائق، وربما أي شخص بقصد أو دون قصد يضرم النيران في أحدها ويتسبب في كارثة جديدة، مثل كارثة تشرنوبل التي حدثت أثناء اختبار الطاقة، واندفاع التيار الكهربائي داخل المحطة، والنواة المكشوفة، وأطلقت سحابة سوداء مشعة من المواد السامة.

وأخطر ما في الأمر أن الكرملين تعامل مع أزمة تشرنوبل بقليل من الشفافية، كما يفعل اليوم، يخوض الحروب المباغتة، ويغطي على المخاطر العظيمة ويمارس الكثير من التضليل الإعلامي بخصوص ما يجري على الأرض، حتى يمتص مخاوف الشعب الروسي، ويدفع عن بوتين ملامح ورطة غير محسوبة العواقب.

لوهلة قد تظن أن الرئيس الروسي الساعي إلى السيطرة والنفوذ غير جاد في تهديداته النووية، لكن الحقيقة غير ذلك، فقد خاض الرجل حربه الحالية بذريعة حماية الأمن القومي الروسي، ويعتقد أن معركته معركة وجودية، أي مسألة حياة أو موت، ليس أمامه من خيار سوى التلويح بسيناريو الحرب النووية، حتى وإن تولى في الأرض، وأهلك الحرث والنسل.

تزامن النهايات

لعل تزامن النهايات في الحوادث النووية مصير يصعب تجنبه، فعلى المستوى الروسي أقر الزعيم السوفيتي آنذاك ميخائيل غورباتشوف بأن انهيار تشرنوبل -أكثر من إطلاقه للبيريسترويكا- ربما كان السبب الحقيقي لانهيار الاتحاد السوفيتي بعد خمس سنوات من تلك الحادثة. وهو مصير قد سبق لرجل أقل عدوانية من بوتين، الذي وضع قوات الردع النووي الروسي في أهبّة الجاهزية، مما يعني أن التاريخ يعيد نفسه، “مرة كمأساة وأخرى كمهزلة” على حد قول كارل ماركس، أو أن “الذين لا يقرؤون التاريخ محكوم عليهم بتكراره”.

صلاة تشرنوبل

عندما تقرأ المخطوطة العظيمة (صلاة تشرنوبل) للكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش الحاصلة على جائزة نوبل للآداب عام 2015، ستدرك بالفعل إلى أي مدى يقف الإنسان عاجزًا أمام التكنولوجيا التي اخترعها بنفسه، وفي مقدمتها تكنولوجيا الطاقة الذرية.

سفيتلانا شاهدة رأت كل شيء، وهي من ضمن الصحفيين الذين تعيّن عليهم محاكمة المذنبين في التسبب بالكارثة النووية، حيث عُقدت المحاكمة في بيت الثقافة المحلي بتشرنوبل محل الجريمة، وجلس ستة أشخاص في قفص الاتهام، مدير المحطة النووية فيكتور بريوخانوف، إلى جانب كبير المهندسين ونائبه ورئيس الوردية، ورئيس قسم المفاعل، ومفتش الرقابة النووية في الاتحاد السوفيتي حينها يوري لاوشكين، وكانت سفيتلانا ترغب في أن ترى بقفص الاتهام العشرات ممن لم يأتِ ذكرهم، وأن يتحمل المسؤولية -بقدر أكبر- العِلم المُعاصر.

وانتهت القصة الواقعية بالسجن عشر سنوات لكل من فيكتور بريوخانوف، وكبير المهندسين ونائبه الذي مات في سجن يوري لاوشكين بسبب آثار التعرض لإشعاعات نووية قوية. وأصيب كبير المهندسين بالجنون، أما مدير المحطة فيكتور بروخانوف فقد أمضى مدة العقوبة كاملة، وهو يعيش حاليًا في مدينة كييف موظفًا بإحدى الشركات. لقد مر الحدث بسرعة فائقة، ولو أتيح لبطلة القصة التي تزوجت أحد أفراد فوج الإطفاء الجماعي، وصرخ فيها عندما نظرت من النافذة ورأت سخامًا مخيفًا ولهبًا متصاعدًا، فقال لها “أغلقي النافذة واذهبي إلى النوم. هنالك حريق في المحطة. سأعود قريبًا” لكنه لم يأتِ بعد. لو أتيح لها أن تتخيل ما سيحدث في المستقبل، لأدركت ببداهة أن صلاة تشرنوبل ناقصة، وأن جزءًا من النص مفقود.

لسنا في مأمن

ثمة سحابة نووية أخرى سوداء سوف ينفثها بوتين من سيجارته، طال الزمن أو قصر. إذ إن التهديد الذي لم يأخذه العالم على محمل الجد، سيجعل مناطق شاسعة في أوربا -وكذلك روسيا- غير صالحة للسكن لعقود قادمة، وسوف تتسع الرقعة الجغرافية شيئًا فشيئًا، لأنه لا يمكن أن تندلع حرب عالمية لا تلتهم الجميع.. في الحقيقة نحن لسنا بمأمن.

التهديدات النووية تعني أن الأسلحة الروسية أكثر جاهزية للعمل، مما سيغري الدول النووية الأخرى بإشهار قوتها، والتحفز للرد. وعلى مقربة توجد الجارتان النوويتان الهند وباكستان، وكذلك الصين، والكوريتان، ولعل الرئيس الكوري الأكثر حماسًا للحرب كيم جونغ أون، لن يجد سانحة أكثر من هذه ليخوض مغامراته المؤجلة، هو أو فلاديمير بوتين، ويدشنان بداية عصر استخدام السلاح النووي بعد نهاية عصر سباق التسلح.

المصدر : الجزيرة مباشر