الربيع العربي بين الخسائر والمكاسب المترتبة على الأزمة الأوكرانية

الثورة الليبية

تلقيت دعوة من مركز حريات للمشاركة في ندوة “العالم الاسلامي.. وفنّ التموضع الاستراتيجي أوقات الأزمات الكبرى”، من خلال الاشتباك مع الأزمة العالمية التي أنتجتها الحرب الروسية الأوكرانية. وذلك لمناقشة “الربيع العربي بين المكاسب والخسائر المترتبة على الأزمة”، كما جاء في نص الدعوة.

لقد قبلت الدعوة على الفور، فالموضوع هام وجدير بالاهتمام والتناول، والوضع بالأساس جد خطير، هذا وزير التجارة الكويتي فهد الشريعان يصرح باحتمال ارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة نتيجة للتطورات غير المسبوقة في العالم، قائلا: “نحن أمام مشكلة عالمية، والوضع اليوم بالعالم خطير، وبعض البضائع التي هي بالطريق تتوجه لمناطق أخرى”. انتهى كلام الشريعان. ماذا يعنى؟ سفن في طريقها إلى دول عربية فيها أرز وحنطة وبذور يتم تغيير وجهتها، حيث قامت أمريكا بتحويل مسارهم إلى أوربا، اللعب صار على المكشوف، ولسان حالهم يقول الأوربي والأمريكي أحق بالعيش منكم، إن لم نستعد، قد نمر بمرحلة صعبة، فكيف يتصرف العالم العربي والإسلامي في ظل تحول النظام العالمي، وما هي الخسائر والمكاسب المترتبة على الأزمة؟

“حساب الخسائر”

لا بد أن ندرك جميعًا أن طرفَي الصراع لا يقف أيّ منهما في مربع دعم الثورات والربيع العربي، سواء روسيا التي شاركت في قمع الربيع العربي في سوريا وليبيا واليمن بدعم إيران الراعي للحوثي عن طريق القوة الخشنة، أو التحالف الغربي الأمريكي الذي شارك في قمع الربيع العربي في مصر والجزائر والسودان… إلخ، عبر القوة الناعمة.

كذلك أثناء الصراع الدائر ستزداد الأنظمة العربية السلطوية قوة وشراسة في قمع معارضيها والربيع العربي، ولن يلتفت العالم إلى سلوكها القمعي انشغالًا بالصراع الدائر في أوكرانيا.

وستحظى الأنظمة العربية السلطوية بالدعم والرشَى من كلّ من طرفي الصراع “الروسي والأمريكي” حتى تشارك بثقلها في الصراع الدائر، فروسيا مثلًا تستخدم متطوعين سوريين للقتال (16 ألف كما صرحوا)، وأمريكا تحتاج إلى النفط والغاز الخليجي والعربي، وآخر الرشَى تمرير صفقة طائرات C-130 بحوالي 2.2 مليار دولار للنظام المصري في الكونغرس بأغلبية كبيرة، في نفس الوقت تقريبًا الذي تمت فيه عملية إعدام لسبعة سياسيين في مصر. إنها رسالة واضحة.

حتى لا يتحولوا إلى دمية

إن مناطق التماس العسكري في الربيع العربي التي يوجد فيها الروس سوريا وليبيا، مرشحة للاشتعال في إطار السياسة الغربية باستنزاف الروس، وقد لا يتجاوب الأتراك مع ذلك خوفًا من الدخول طرفًا في الصراع، ولهذا على أطراف الربيع العربي أن يدرسوا وضعهم الميداني جيدا حتى لا يتحولوا إلى دمية في اللعبة الدولية.

هذا فضلا عن أن أيّ حراك الآن في الربيع العربي لن يلقى آذانًا صاغية ولا دعمًا دوليًّا؛ لأن الأنظار كلها هناك في أوكرانيا. (إذا زمجرت الأسود لن تسمع أصوات الصيصان في الغابة).

“حساب المكاسب”

لقد أرسلت الحرب الروسية الأوكرانية، رسالة إلى جميع الأنظمة والقوى السياسية واضحة وعلى رأسها ثورات الربيع العربي، أنه لا يمكن أن تعتمد على الحلفاء في حماية نفسك، أو في تحقيق أهدافك، بل لا بد من أن تمتلك قوتك الذاتية، ونموذج أوكرانيا واضح.

فلا توجد صداقات دائمة، ولا توجد عداوات دائمة في عالم السياسة، بل توجد مصالح دائمة، فعلى الربيع العربي أن يتحلى بالمرونة السياسية الكافية لتحقيق الأهداف.

وعلى الربيع العربي أن يستفيد من الأزمة الاقتصادية الطاحنة الناشئة عن الحرب التي أظهرت عجز الأنظمة وفشلها، في التعبئة الشعبية وإظهار عورات الأنظمة، كما يستفيد من وقت الحرب في بناء تحالفات سياسة قوية وتوحيد المعارضة، والتخلص من ظاهرة تفتت وتشرذم المعارضة التي كانت من أكبر أسباب تراجع الربيع العربي، استعدادًا لجولة جديدة.

وفي نهاية الحرب ستكون هناك فترة سيولة عالمية، حيث تنهار قوى دولية وتصعد قوى أُخرى، وهي فترة تسمح بإجراء تغييرات سياسية حاسمة ولا بد من الإعداد لها جيّدًا، والتجهيز لانتفاضات شعبية وبرنامج عمل جاد، ومثال على ذلك ثورة 1919 عقب الحرب العالمية الأولى، والثورات والانقلابات التي قامت عقب الحرب العالمية الثانية.

ومن الخطأ الشديد المراهنة على انتصار قوى دولية معينة لإحداث التغيير المنشود وإنجاح الربيع العربي، وهو خطأ كبير وقعت فيه بعض القوى العربية في الحرب العالمية الثانية عندما دعمت ألمانيا النازية ضد التحالف الغربي، بل لا بد من الاعتماد على الذات ومحاولة اكتساب أوراق قوة، وعلينا بناء موقف سياسي متوازن، بدءًا بإدانة الغزو الروسي واحتلال الدول واغتصاب الأراضي وضرب المدنيين في أوكرانيا، وفي الوقت ذاته إدانة ازدواجية المعايير عند الغرب والتذكير بما يحدث في فلسطين وما حدث في العراق وأفغانستان. وعلينا الاستفادة من الوقت واستثماره في بناء تحالف إقليمي للربيع العربي، يمكنه مواجهة تحالف الأنظمة الاستبدادية.

وفي ظل الاستقطاب الدولي الحادث بين روسيا والغرب الذي تحول إلى ما يشبه الحرب الباردة يمكننا الدعوة إلى تجمع، يشبه دول عدم الانحياز في حقبة الخمسينيات والستينيات، وتكون قاطرته الدول الإسلامية تركيا وباكستان وماليزيا وإندونيسيا، ويكون هذا إحياءً جديدًا لمشروع المرحوم نجم الدين أربكان.

إن ما يجمع العرب والترك والفرس والكرد وغيرهم من أقوام المنطقة أكثر مما يجمع الألمان والفرنسيين والإيطاليين والإسبان وغيرهم من الأوربيين، الذين كادوا أن يبيدوا بعضهم في الحرب العالمية الثانية، وهم اليوم يستظلون بمظلة الاتحاد الأوربي.

في النهاية سوف تكون نهاية هذا الصراع صعود قوى دولية وهبوط أخرى، وقد ينجح الروس في الصمود وتعود الحرب الباردة بين روسيا والغرب، كل هذا وارد.

ولكن إحدى العقد الحقيقية في نجاح الربيع العربي ليست في كل ذلك ولا في أنظمة الاستبداد فحسب، بل في تفكيك وإضعاف المشروع الصهيوني وارتباطه بالقوى الدولية، لأن المشروع الصهيوني هو من أهم عوامل فشل الثورات العربية ومن أقوى داعمي أنظمتنا الاستبدادية، فهل تأتي الفرصة لذلك؟ مجرد سؤال.

 

 

المصدر : الجزيرة مباشر