إغلاق “مسجد الحسين” وضريحه للصيانة.. هل كان حتميا الآن؟

مسجد الامام الحسين

فجأة، وبدون مقدمات أغلقت وزارة الأوقاف المصرية، مساء السبت الماضي، مسجد “الإمام الحسين”، الواقع بوسط العاصمة المصرية (القاهرة)، إغلاقا كاملا، إلى أجل غير مُسمى، لإجراء صيانة وتطوير له، وللضريح، والمنطقة المحيطة به.

 النجف الأثري.. وكاميرات ونظام إنذار

تبلغ التكلفة المبدئية المقررة 150 مليون جنيه، بتمويل من “مؤسسة مساجد”، في سياق خطة حكومية لترميم وتطوير مساجد آل البيت، بالتعاون مع هذه المؤسسة. أعمال تطوير “المسجد” تمتد إلى كل مكوناته من أبنية وأساسات وأعمدة رخامية وأسقف ومآذن وقبة ونجف أثري، وتحديث أنظمة الكهرباء والمياه والتكييف والمراقبة بالكاميرات والإنذار، وتزويده بأحدث أنظمة الصوت داخليا وخارجيا، بما يهيئ المسجد لاستيعاب ستة آلاف مصلّ من الرجال و1500 من النساء.

عرب وأجانب وروحانيات الأمسيات الرمضانية

قرار إغلاق المسجد جاء صادما ومثيرا للدهشة والاستغراب؛ لتوقيته غير الملائم، فلم يكن حتميا الآن، بل كان الأنسب تأجيل هذه الأعمال إلى ما بعد شهر رمضان المبارك، تفاديا لتعطيل المسجد؛ إذ اعتاد مسلمون كُثر، مصريون وعرب وأجانب التوافد للصلاة بالمسجد، والاستمتاع بروحانيات الأمسيات الرمضانية في رحابه ومحيطه، ومعايشته ساعات أو أياما يعودون بعدها من حيث أتوا.

مواكب الصوفية وطقوسهم.. وترويض الثعابين

كما يعتاد أصحاب “الطرق الصوفية” ممارسة طقوسهم الرمضانية، وإقامة حلقات للذكر وابتهالات وأناشيد دينية حول المسجد الحسيني، والحضور في مواكب إلى المسجد للاحتفال مع المصريين بالمولد النبوي الشريف ومولد الحسين، وغيرهما. و”الصوفية” هي ظاهرة دينية سنية واجتماعية، وتقوم على التفاني في عبادة الله، والزهد، وترتبط بطقوس وشارات وعادات وتقاليد تميزها، وعددها 77 طريقة، تتفرع من ست طرق رئيسية، منها الأحمدية والرفاعية التي يشتهر بعض أتباعها بترويض الثعابين.

زمن الخليفة الفائز بنصر الله.. والوزير الصالح طلائع

عودة لـ “مسجد الحُسين”، فقد بني في زمن الخليفة الفاطمي الفائز بنصر الله عام 549هـ – 1154م، تحت إشراف الوزير الصالح طلائع، وفي عهد الخديوي إسماعيل (1830- 1895م)، الذي حكم مصر من 1863 حتى عام 1879م، تمت توسعة المسجد، لتصل مساحته إلى ثلاثة آلاف و340. ثم شهد المسجد توسعات في عهود تالية، لتصير المساحة الكلية للمسجد ستة آلاف و500 متر مربع.

الخديوي عباس حلمي الثاني.. وقاعة الآثار النبوية

وحسب الموقع الرسمي لمحافظة القاهرة، فإن الخديوي عباس حلمي الثاني (1874- 1944م)، أمر في عام 1893م بإنشاء قاعة الآثار النبوية، ولهذه القاعة بابان وقد زُيّنت جدرانها بالرخام المزخرف بالبسملة وسورة الشرح، وتُحفظ بها قطعة من قميص للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومكحله وقطعة من عصاه وشعرتين من اللحية الشريفة، ومصحفان كريمان بالخط الكوفي، أحدهما بخط عثمان بن عفان رضي الله عنه، والآخر بخط الإمام علي كرم الله وجهه.

رأس الحسين من عسقلان إلى القاهرة..  ورواية المقريزي

ويحظى مسجد الحسين، بمكانة سامية في قلوب المصريين الشغوفة بحب آل البيت، لكون المسجد يضم ضريحا دُفِن فيه رأس الإمام سيد الشهداء الحسين بن علي بن أبي طالب، حفيد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لابنته فاطمة، الذي ولد في المدينة المنورة وتربى في بيت النبوة. وقد استُشهد الحُسين في موقعة كربلاء سنة 61هـ – 680م، لرفضه مبايعة يزيد بن معاوية على وراثة الخلافة عن أبيه معاوية.

ويروي المؤرخ المصري الشهير تقي الدين المقريزي (1364- 1442م)، في كتابه المواعظ والاعتبار المعروف بـ”الخطط المقريزية”، أن رأس الحسين وصل إلى القاهرة يوم 8 جمادى الآخرة 548هـ – 31 أغسطس عام 1153م، نقلا من عسقلان الفلسطينية. وقد استقر الرأس في مكانه الحالي بالمشهد الحسيني.

السادات يخطب في مسجد الحسين سنة 1971

الأمير المملوكي جركس.. وخان الخليلي

يجاور مسجد الحسين حي “خان الخليلي” الشهير بدروبه وطرقه المتشعبة، الذي تم تأسيسه منذ 600 عاما، بمعرفة أمير مملوكي يدعى جركس الخليلي من مدينة الخليل الفلسطينية، وما زال محتفظا بطابعه منذ نشأته. يُعد “الخان” سوقا للمشغولات والمنحوتات اليدوية، من أيقونات وتماثيل، وكلها متنوعة ومتميزة فنيا.

الحسين والمعز لدين الله الفاطمي.. وكل الجنسيات

تمثل “منطقة الحسين” المحيطة بالمسجد مقصدا سياحيا جاذبا لكل الجنسيات، لما يميزها من طابع تاريخي قديم، وهي تضم الجامع الأزهر الذي يتجاوز عمره ألف عام، وشارع المعز لدين الله الفاطمي الذي تتجسد فيه عمارة الفاطميين، بما لها من تفرد. تضم المنطقة مكتبات كثيرة تهتم ببيع الكتب التراثية الإسلامية، و”مكتبة الحسين” أمام الباب الأخضر لمسجد الحسين، وهي تابعة لهيئة الكتاب المصرية، وتبيع الكتب الحديثة إلى جانب التراثية.

نجيب محفوظ.. وفيلم خان الخليلي

وتشتهر منطقة الحسين بمقاهٍ ذات طابع قديم تمتد أعمارها إلى نحو 150عاما، أشهرها مقهى “الفيشاوي” الذي لا يزال محتفظا بنقوش أصلية تزيّنه. وقد ارتاده العديد من الفنانين والمثقفين وأديب نوبل المصري نجيب محفوظ، وربما استلهم بعض رواياته وشخوصها من هذه المنطقة، ومنها رواية “خان الخليلي” التي تحولت إلى فيلم سينمائي.

انتعاش تجاري رمضاني لـمنطقة الحسين

لا يفوتنا أن شهر رمضان المبارك يمثل لمنطقة الحسين المحظوظة بالمشهد الحسيني، انتعاشا تجاريا، فيتحول ليلها إلى نهار، ويتدافع إليها الملايين من مختلف الجنسيات والفئات، لكلّ مهم حاجته.. للصلاة في حضرة المقام الحسيني، أو الفوز بسهرة جميلة وإفطار أو سحور شهي، أو بكليهما والترفيه في الوقت الفاصل بينهما، بمتابعة الأنشطة والفعاليات المتنوعة.

العجلة في الإغلاق.. والمواءمة السياسية

يبقى أن قرار إغلاق مسجد الحسين، في هذا التوقيت، جاء مفتقدا لـ”المواءمة السياسية”، فهو صادم لمشاعر دينية للملايين التي تتوق إلى المسجد في أشهر المبارك (رمضان)، ومُحبط لآمال منطقة الحسين بكاملها التي كانت تنتظر رواجا رمضانيا للأنشطة التجارية والخدمية.

لم يكن هناك داعٍ لهذه العجلة في إغلاق مسجد الحسين ولاسيما أن الحديث عن مخطط تطوير المسجد الحسيني متداول منذ عدة سنوات، ولم يكن يضيره التأجيل إلى ما بعد رمضان.

عبد الناصر والرئيس العراقي عبد السلام عارف في زيارة لمسجد الحسين عام 1962

 

المصدر : الجزيرة مباشر