بوتين واللعنة الأوكرانية

الوجه الآخر لرئيس أوكرانيا.. الذي استخف به الرئيس الروسي باعتباره ليس أكثر من فنان!

بوتين

مع الحرب الأوكرانية يدخل العالم مرحلة جديدة سيكون غير ما كان عليه قبلها بكلّ تأكيد. فالذرائع التي قدّمها بوتين لحربه، ويتناقلها الإعلام العالمي، كلّها ذرائع واهية وكاذبة، والشعب الأوكراني يعرف هذه الحقائق ويفهم بشكل جيد الرسائل الروسية، فكلتا الدولتين تنتمي إلى مدرسة واحدة، إذ كانتا أيام الاتحاد السوفيتي محكومتين بقبضة الـ”كي جي بي”، فالجدران الفاصلة بينهما قصيرة ويعرف كلُّ طرف ما يفكر به الطرف الآخر.

الاستبداد البوتيني والصحوة الأوربية

لقد أخبرني بعض الأصدقاء الأوكرانيين أنّهم يستعدون لهذه الحرب منذ سبع سنوات، وهم متأكدون من وقوعها في أيّ لحظة، وقد كانت ذروة التوقعات قبل سنتين، وربّما كان “كورونا” أحد أسباب تأجيلها. فالقضية -إذَن- محكومة بعقلية بوتين المستبدّة وبعنجهيته التي تتحكّم بها رغباته الدفينة بالهيمنة على أكبر عدد من الدول المحيطة به، ولذلك نراه يفصل محافظتين ويعلن كلّ محافظة دولة رغم أنّهما متجاورتان، وكان بإمكانه إعلانهما دولة واحدة.

وبسبب عنجهيته هذه أقدم على حرب وكلّه قناعة أنّ الدول التي تقع تحت هيمنته هي مجرد توابع لروسيا ولا يقيم وزنًا لأيّ سياسي فيها حتّى لو كان رئيسًا، وبذلك هو يضمن وقوفها بجانبه، وكذلك قناعته التامّة أنّ أوربا اليوم في أضعف حالاتها، لكن ما لم يكن في حسبانه أن يستيقظ المارد الأوربي من سباته، خاصّة مع الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة الأمريكية من المنطقة، وقد تجلّى هذا الاستيقاظ الأوربي حتّى الآن في كمية الأسلحة التي تتدفق إلى أوكرانيا من أوربا، وأيضًا في تنامي الإحساس شعبيًّا بضرورة التخلّي عن حالة الحياد لبعض الدول خاصّة الإسكندنافية منها لدرجة أنّ بوتين ذاته بدأ يطالب بوقف تزويد أوكرانيا بالأسلحة.

أمّا الأخطر من السلاح فيتجلّى في الحصار الاقتصادي الخانق، وأقول الخانق لأنّ روسيا في نهاية المطاف دولة استهلاكية وليست منتجة، هي متقدمة فقط بتصنيع الأسلحة وتتباهى بها، أمّا الصناعات الاستهلاكية الأخرى فهي غير متوفرة على الإطلاق في روسيا التي بقيت لليوم بلدًا زراعيًّا، وعندما يتألم الأوربيون يبدأ تخطيطهم للانتقام الذي يمكن أن يصل لأن ترجع الحياة في روسيا إلى التبادل السلعي على الطريقة التي كانت متّبعة قبل ظهور النقد.

التمثيل والديمقراطية

لقد ظنّ بوتين أنّ الرئيس الأوكراني مجرد ممثل أصبح رئيسًا، ومن السهل جدًّا أن يتلاعب به كما يتلاعب ببشار الأسد أو بالشيشاني رمضان قديروف، وأنّ إشارة منه ستجعله ينصاع لما يريده القيصر غافلًا عن أنّ هذا الرئيس استطاع أن يقلب نظام الحكم في أوكرانيا بديمقراطيته حصرًا، وأنّه قضى على ثلاثة من أعتى رجال المافيا في بلاده، وأن يجعل جميع المستقلين في البرلمان يصوتون له، وتناسى أيضًا أنّ فولوديمير زيلينسكي استطاع أن يحقق نسبة (74.7%) في الانتخابات الرئاسية محقّقًا أعلى نسبة في تاريخ الديمقراطية، وهذا يعني أنّ شعبه بالكامل خلفه.

ومن هنا نستطيع القول إنّ هذه الحرب هي لعنة حقيقية على بوتين، قد يستطيع تدمير أوكرانيا كما فعل في سوريا ويربح الحرب، لكنّه بكلّ تأكيد سيخسر عاصمته موسكو، وقد تبدو الصورة له اليوم في روسيا كأنّ شعبها وأثرياءها معه، لكن استمرار الحرب والحصار الاقتصادي سيقلب الموازين بكلّ تأكيد. واستمرار الحرب يعني توسيع رقعتها لتنال في ما بعد حلفاءه الصغار، وتصريحات الإدارة الأمريكية قبل بداية الحرب بأنّها إن حدثت فستشمل الشرق الأوسط لا تزال في الذاكرة. وهذا يعني أنّ مسلسل الخسائر سيتعاظم وسيطال المواطن الروسي في لقمة عيشه، قد لا نعوّل كثيرًا على انتفاضة شعبية ضدّ بوتين، لأنّ الشعب الروسي -وخلال ربع قرن من الاستبداد- قد أعاده إلى عصر العبودية السوفيتية، لكن بكلّ تأكيد سيكون للأثرياء الجدد كلمة أخرى مع تعاظم خسائرهم.

الحرب الأوكرانية حسب السيناريو السوري

تضعنا هذه الحرب أمام مفارقة مهمّة تجدر الإشارة إليها، وتتلخص في كون نظام الحكم في روسيا استبداديًّا فرديًّا، بمعنى أنّ من يتخذ القرارات المصيرية هو الحاكم المطلق بكلّ عنجهيته، بينما في الدول الديمقراطية فنظام الحكم مؤسساتي، وهذا يعني أنّ القرارات المصيرية تخضع لمناقشات العقل الجماعي، ومهما بلغ مستوى ذكاء الفرد فلن يصمد كثيرًا أمام كثرة العقول التي تحاربه، أمّا كيف يمكن أن تكون النتائج فهذا متروك للزمن، لكن في مطلق الأحوال لن تكون لصالح القيصر.

وأولى علامات الضعف والعار -إن صحّ التعبير- استعانة الرئيس الروسي بمرتزقة من الدول المنهارة أصلًا (العراق وسوريا واليمن)، وقد أعلن وزير دفاعه وجود 16 ألف متطوع من الشرق الأوسط جاهزين للقتال في أوكرانيا. وهذا بحدّ ذاته ينسف مصطلح (العظمى) الذي يحاول بوتين إلصاقه بروسيا.

هل ستنتهي الحرب حسب السيناريوهات التي توقّعها فريدمان؟ والتي تتلخص في هزيمة بوتين نتيجة تدخّل الغرب أو بالمفاوضات المذلّة لأوكرانيا أو بانقلاب داخلي على بوتين. أعتقد أنّنا أمام حالة تزمين وتعفين للوضع على الطريقة السورية إلى أن يؤتي الحصار الاقتصادي أُكله ثمّ بعد ذلك توضَع روسيا كاملة بأسلحتها النووية على طاولة التفاوض، وسيبقى الشعب الأوكراني هو الخاسر الأكبر في مطلق الأحوال.

المصدر : الجزيرة مباشر