أبو حيان التوحيدي إمام البُلغاء.. وقصته مع “أخلاق الوزيرين”

يُعد كتاب (أخلاق الوزيرين) للعلامة والفيلسوف “أبو حيان التوحيدي” الراحل منذ ألف عام، وثيقة فلسفية وسياسية واجتماعية وحقوقية وأخلاقية وقيمية، وتحفة أدبية وفنية، تضيء “واقع السياسة” في عصره، وتمثل نقدًا له، وحديثًا عمّا ينبغي أن يتحلى به الحكام، من رؤية خُلقية مُحركة لمسلكهم وقراراتهم، وقد تعددت الأسماء له، مثل: مثالب الوزيرين، وذمّ الوزيرين.

تمزق الدولة العباسية.. ومؤلفات كاشفة للحياة الاجتماعية

وأبو حيان التوحيدي، فارسي الأصل، أحد أهم أعلام الفلسفة والأدب في التاريخ الإسلامي، وأشهرهم في القرن الرابع الهجري، وأكثرهم إثارة للجدل. عاش في بغداد، وشهد تمزق الدولة العباسية، وتفككها إلى ممالك صغيرة، وشيوع الفساد الأخلاقي، الناجم عن فساد الحكم، فكانت كتاباته صدى لهذا العصر.

وجاءت كتاباته ومؤلفاته كاشفة للحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية وقتها، وتميزت بالكثافة وغزارة  المحتوى وتنوّعه، والأسلوب واللغة الساخرة، وحشد للنوادر والأمثلة والإشارات والاقتباسات والأخبار والأقاصيص، مع توظفيها جميعًا، للتدليل والبرهان والإثبات لإقناع القارئ أو المتلقي، بأفكاره وما يراه.

فارسي الأصل.. ومعتزلي الفكر

وأبو حيان التوحيدي، هو علي بن محمد بن عباس التوحيدي.. مولود في بغداد عام 932م، وعاش بها حتى وفاته عام 1034م، بعد حياة دامت 102 عام تقريبا، والمُرجّح أنه فارسي الأصل من مدينة شيراز الإيرانية. ويرجع لقبه “التوحيدي” إلى حرفة أبيه، التاجر لنوع من التمر يُسمّى “التوحيد”، أو انتماء أبو حيان إلى فكر المعتزلة، الذين يسمّون أنفسهم أهل التوحيد، وهو الفكر الذي ظهر أواخر العصر الأموي (القرن الثاني الهجري)، وازدهر في العصر العباسي.

 حرفة الوِراقة.. وناقلو الفلسفة اليونانية إلى العربية

نشأ أبو حيان يتيمًا بائسًا بعد وفاة والده، ليعيش في كنف عمه الذي كان قاسيًا عليه ودائم التعنيف له، إلى أن احترف مهنة الوِراقة (نسخ الكتب وبيعها)، وهو ما أتاح له بابًا واسعًا للثقافة، والاطلاع على الإنتاج المعرفي لعصره وللعصور السابقة، وعلى الفلسفة اليونانية من ناقليها إلى العربية. لكنه لم يكن راضيًا عن حرفته، كما لم يجد قبولًا من المرموقين في المجتمع، لاعتداده بنفسه، فزادت نقمته على عصره، وراح مزاجه يسوء.

صاحب زندقة وانحلال وضالّ ومُلحد!

وقد عانى أبو حيان التوحيدي التجاهل من المعاصرين له، وأثار الجدل بين اللاحقين.. فقد رماه الفقيه الحنبلي والمؤرخ البغدادي أبو الفرج بن الجوزي (1116- 1201م) بـ”الضلال والزندقة”.. كذلك فعل الإمام شمس الدين الذهبي الدمشقي (1274- 1348م) في موسوعته “سير اعلام النبلاء”، واصفًا إيّاه بـ”الضال المُلحد”، وقال عنه ابن حجر العسقلاني المصري (1372- 1449م) في كتابه “لسان الميزان” إنه صاحب زندقة وانحلال.

فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة.. وعمدة بني ساسان

على النقيض من هذه الأوصاف لـ”أبو حيان التوحيدي”، فإن الأديب ومؤلف الموسوعات ياقوت الحموي (1179- 1229م) وهو من أصل رومي وعاش في بغداد، أنصفه في كتابه “معجم الأدباء”، قائلًا عنه: “إن الناس على ثقة من دينه.. شيخ الصوفية، وفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، ومُحقِّق الكلام، ومُتكلِّم المُحققين، وإمام البلغاء، وعمدة لبني ساسان (الأسرة التي أسست الإمبراطورية الفارسية الثانية من 226- 651م)، سخيف اللسان، قليل الرضا عند الإساءة إليه والإحسان.. لا نظير له ذكاء وفطنة، وفصاحة ومكنة، كثير التحصيل للعلوم في كل فن حفظه، واسع الدراية والرواية، وكان مع ذلك محدودًا محارفًا (محرومًا)، يبكي في تصانيفه (مؤلفاته) على حرمانه”.

روايات وبراهين على مجون الوزيرين وسخفهما

عودة إلى كتاب أخلاق الوزيرين، فقد شهدت كلية الآداب بجامعة القاهرة قبل أيام حضورًا لأبي حيان التوحيدي، ليكون موضوعًا للنقاش في رسالة الدكتوراه المقدّمة من الباحث والصحفي بجريدة الأهرام القاهرية محمود القيعي، ونال عنها الدرجة العلمية مع مرتبة الشرف في آداب اللغة العربية، وموضوعها “مستويات الحجاج (الحجج والبراهين للإقناع) في إبداع أبو حيان التوحيدي.. أخلاق الوزيرين نموذجًا”.

وبحسب الباحث القيعي، فإن “أبو حيان” في خطابه، كان معنيًّا جدًّا بالمتلقي، لاستمالته وإقناعه والتأثير عليه بمختلف الحجج العقلية والنفسية، ولم يَفُته إظهار آراء الآخرين في الوزيرين.. وإن الكتاب حافل بالروايات للبرهنة على بخل الوزيرين ورقاعتهما وسخفهما وقلة دينهما ومجونهما وادعائهما وتفاخرهما الكاذب وتصرفاتهما الشائنة، وغيرها.

قصة أبو حيان مع ابن العميد والصاحب بن عباد

وترجع قصة تأليف “أبو حيان” لمؤلفه هذا (أخلاق الوزيرين) إلى خصومة مع وزيرين، هما أبو الفضل ابن العميد، الوزير لـ”ركن الدولة بن بويه”، والصاحب بن عباد، الوزير لـ”مؤيد الدولة” ثم لأخيه “فخر الدين”.. كان أبو حيان معايشًا لهما وعلى تواصل بهما، ثم راح يصف حالهما ويهجوهما في كتابه، الذي يُوصف بأشهر ما قيل في الهجاء عند العرب.

تناول أبو حيان في كتابه عن الوزيرين، الكرم واللؤم في أخلاقهما، والرزانة والسخف، والشجاعة والجبن، والوفاء والغدر، والسياسة، والإهمال، والدهاء، والغفلة، والرشاد والغيّ، والخلاعة والتماسك.

ولم يُخفِ أبو حيان دوافعه وأسبابه لتأليف كتابه، فهو يؤمن بحق الإنسان في الثأر لإنسانيته وكرامته ممن يجرحونها، أيّا كانوا، ومهما علت مواقعهم.. لذا، فقد أجاد في تصوير هذه الدوافع عن الوزير الصاحب بن عباد، قائلًا: “ابتُليت به وابتُلي بي، حرمني فازدريته، وحقّرني فأخزيته، وخصني بالخيبة التي نالت مني، فخصصته بالغيبة التي أحرقته، والبادي أظلم”.

أما الوزير ابن العميد، فلم يجالسه أبو حيان سوى مرتين، رأى في إحداهما أعوان الوزير يطردون من مجلسه رجلًا غريبًا صائمًا وقت الإفطار، وفي الأخرى شاهد محنة شاعر من الكرخ، مدح الوزير فلم يعطه شيئًا رغم إلحاحه، مما ترك أثرًا سيئًا في نفسه، ومن ثم راح يتقصى أخباره ونقائصه.

الإمتاع والمؤانسة.. وإحراق الكتب

يُذكر أن “أبو حيان التوحيدي” -وقد عاش حياته في بؤس وشقاء، ولم تنفعه مؤلفاته ومعارفه- أحرق كتبه وهو في التسعين من عمره، وإن أفلت منها 17 كتابًا، عدّدها ياقوت الحموي في معجمه للأدباء، منها: الإمتاع والمؤانسة، والمقابسات، والبصائر والذخائر، والإشارات الإلهية، والهوامل والشوامل.

واختفى أبو حيان سنواته الأخيرة، قبل أن يفارق إلى العالم الآخر، شاعرًا بالغبن، إذ كان يعيش على الكفاف.

المصدر : الجزيرة مباشر