رحيل المفكر السوري جودت سعيد

جودت سعيد

لأوّل مرّة يتفق السّوريون حول شخصية إسلامية، ففي حال وفاة أيّ عالم أو مبدع أو مفكّر ينقسم السّوريون إلى فريق يترحم على المتوفى ويعدّد حسناته وفريق آخر يشتمه بسبب مواقف سياسية أو فكرية تختلف عن تفكيره وانتمائه الحزبي. فقط جودت سعيد حاز احترام الجميع وتقديرهم، فقد نعاه مثقفو اليسار بالقدر الذي نعاه مثقفو اليمين.

مَن جودت سعيد؟

ولِد جودت سعيد في قرية بئر عجم بمدينة القنيطرة عام 1931، لأسرة شركسية جاءت من القوقاز.

درس في القنيطرة الابتدائية ثمّ سافر إلى مصر وهو في الثانية عشرة من عمره، انتسب إلى الأزهر الشّريف وتابع دراسته الإعدادية وتخرّج في كلية اللغة العربية به.

عاصر ولادة الأفكار الحديثة والاتّجاهات الفكرية المختلفة في مصر وعاشها على اختلافها. استثمر وجوده بالقاهرة في حضور مواقع العلم والحركة الثّقافية فيها ومطالعته النّهمة لكلّ جديد وأثّر ذلك على تكوينه الفكري.

تفرّغ للعمل الدّعوي والفكري منذ أواخر الخمسينيات فكتب كثيرًا من المقالات والكتب والدّراسات واستمرّ في ذلك إلى الآن. ولم يكن يحب التكسب بعلمه فلم يتّخذ الدّين صنعة يعتاش منها وبقي فلاحًا حتى لحظة تهجيره من سوريا مع من تمّ تهجيرهم.

توفي بمدينة إسطنبول في 29 يناير/كانون الثاني 2022 قبل عيد ميلاده الحادي والتّسعين بأيام.

قالوا عنه

عام 2006 صدر عن دار الفكر كتاب في تكريم الشّيخ جودت سعيد بعنوان (نحو مشروع حضاري فعال) بمناسبة مرور مئة عام على مولد المفكر الإسلامي مالك بن نبي. فقد كان الشّيخ جودت أحد تلامذة مالك بن نبي الذين تلقفوا فكره وأدركوا عمق تحليلاته. تمثّل جودت سعيد أفكار بن نبي وبشّر بها الشّباب المسلم وطوّرها وأضاف إليها حتّى شكّل مدرسته الفكرية الخاصة التي كانت مرجعًا للشباب في بلاد الشّام الذين حملوا مسؤولية حلّ المشكلات التي فتح الشّيخ أعينهم وأذهانهم عليها.

نذر جودت سعيد حياته لتحرير المسلم من الأوهام بشرح سنن الله تعالى في تغيير النّفس والمجتمع، ورسّخ لديهم نبذ العنف في الصّراع السّياسي، وحريّة التّفكير، وحق الإنسان في التّعبير عن الرّأي، واحترام الرّأي الآخر والحوار معه، وعدم الإكراه في الدّين، واتّباع الرّشد، والإقلاع عن الغيّ وسيلة للتعبير.

عتب البعض على الشّيخ جودت بعض ما كتبه، لكنّه لم يكن يتضايق من النّقد بل على العكس كان يسمع دائمًا الرّأي الآخر ويعطي للمختلف معه حريّة التّعبير عن آرائه. سُئل مرّة عن علاقته بعالِم يختلف معه فقال: (نحن متفقان في ثمانين بالمئة من أفكارنا أفلا تسمحون لنا بالاختلاف في ما تبقّى منها لنشحذها ونختبرها؟).

قال عنه محمّد عدنان سالم:

(ما رأيت كمثله مُرحّبًا بالنّقد له من الموافق والمخالف، باحثًا عن الآخر المختلف معه، سعيدًا بالإنصات إليه، يعطيه من الحق في التّعبير عن رأيه مثلما يعطي هذا الحقّ لنفسه. ما رأيت مثله يطرب لسماع أفكاره على ألسنة أصدقائه وتلاميذه، يشجِّعهم على امتلاكها ويحثهم على تنميتها، وتغمره السّعادة كلّما رآها تكبر وتتعمق وتتفرع، كما يسعد الأب برؤية أولاده يكبرون).

أفكاره ورؤاه

لا يمكننا تلخيص ما جاء في كتبه ودراساته، لكن يمكن استخلاص أهم ما دافع عنه الشّيخ في كتبه:

تبنّى في كتابه (مذهب ابن آدم الأوّل) فكرة نبذ العنف لأنّ الحروب لا يقوم بها إلا الخبثاء.

فَهِم معنى ختم النّبوة بأنّه نقلة بالبشرية من الوحي القرآني والمعجزات والخوارق إلى مرحلة العلم والقانون والسّنة التي أسّس لها القرآن الكريم بإعادة الأمور إلى عواقبها التي تؤصل لمرجعية تمييز الخطأ من الصّواب.

وسّع فكرة قابلية الاستعمار التي جاء بها أستاذه مالك بن نبي وذلك في كتابه (حتّى يغيروا ما بأنفسهم)

وفي كتابه (العمل قدرة وإرادة) رأى خطأ النّظرية التي تربط بين المشاكل وغياب الإخلاص من النّفوس، فما يعانيه أبناء الأمة اليوم سببه الجهل وسوء الفهم.

كما أكّد ضرورة العمل على تحصيل الأدوات المعرفية، لأنّ الفهم والمعرفة لا يُورثان.

اهتم بالآيات القرآنية (المفتاحية) التي تفتح أفق الوعي لدى الإنسان وتضع يده على المشكلات الأساسية (تردّي الأمم، فقدان الشّخصية، الخرافات، الوهم والاستلاب).

والمقال هنا لا يتسع لحصر أفكاره التي دارت حوله كتبه لكثرتها ولأنّ ذلك يحتاج إلى كتاب مستقل في فكر الشّيخ جودت سعيد.

أثره في شباب الأمة

لم يؤثّر فكر الشّيخ جودت في أبناء جيله فقط بل امتدّ إلى الأجيال اللاحقة وصولًا إلى شباب الثّورة السّورية، فقد كان لفكره الأثر الواضح في المظاهرات السّلمية التي خرجت من داريا بداية الثّورة متسلحة بالورد وزجاجات الماء لتقدّم إلى الجنود الذين واجهوها بالرّصاص.

الشّيخ جودت سعيد كان أستاذًا للتيار السّلمي، أستاذ الشّهيد غياث مطر، وأستاذ من اعتُقلوا معه بداية الثّورة السّلمية، لقد حارب الجهل والأوهام والسّلطة والنّظام السّوري بأفكار لا يمكن لنظام أوغل في توحشه وفساده أن يفهمها.

لقد بقي الشيخ متمسكًا بسلميته وبنبذ العنف رغم اعتقاله خمس مرّات من قبل النّظام، وكانت جملته الشّهيرة (تستطيع أن تقتلني لكن لن تستطيع جعلي قاتلًا) من أكثر الجمل انتشارًا على مواقع التّواصل بداية الثّورة السّورية. وبالقدْر الذي أراد فيه الثوّار الأوائل إشهار فكره أراد النّظام وداعموه طمسه، لأنّهم يريدون إشهار إسلام متطرف إرهابي يمنحهم الحجة بالقتل، بينما مثّل الشّيخ جودت صورة الإسلام المُشرق بالعدل والإحسان.

مات الشّيخ غريبًا، ودفن في أرض غريبة، تاركًا وراءه إرثًا فكريًّا لا يموت.

المصدر : الجزيرة مباشر