النتائج الكارثية للديكتاتوريات الغبية

بشار الأسد

بين ماو والأسد

بنظرة سريعة إلى معظم الكوارث الإنسانية، نجد دومًا أنها نتاج قرارات غبية أو خطأ في الحسابات يرتكبها أصحاب السلطة والنفوذ.

ربّما يكون الزعيم الصيني (ماو توسي تونغ) أكثر زعماء العالم الذين اشتهروا بغباء التصرفات التي أحدثت كوارث بيئية وبشرية في فترة حكمه. أراد ماو أن يضع بلاده على قدم المساواة مع البلاد المتقدمة صناعيًّا بالقضاء على النظام الإقطاعي وتحويل البلاد من الزراعة إلى الصناعة. وكي يفعل ذلك كان لا بدّ من بناء محطات لتوليد الكهرباء التي تحتاج إليها المعامل والتي تسبب تلوث المياه مما يؤثر على الصحة العامة. علمًا بأن البلاد لم تكن في وضع جيد حين استلم (ماو) زمام الأمور فيها.

فقد وصل إلى السلطة أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، وكانت البلاد تعاني أزمات بمجال الصحة في ذلك الوقت. فقد انتشر الطاعون والملاريا والكوليرا، وكان معروفًا مدى خطورة تلك الأمراض وكم كانت تحصد من الأرواح في مُدد قصيرة. واقترح عليه مستشاروه أن يفرض نظامًا صحيًّا صارمًا من “التعقيم والنظافة وأخذ اللقاحات” لكنّ ماو كان يرى غير ذلك، إذ أرجع السبب إلى الحيوانات والحشرات التي تقوم بنقل الأمراض. ومما لا شك فيه أن البعوض كان فعلًا ينقل الملاريا كما كانت الفئران تنقل الطاعون، فقرّر ماو التخلص من السبب بدل علاج المرض عن طريق القضاء على البعوض والفئران. ولم يكتفِ بهذا بل ذهب أبعد من ذلك، إذ فكّر أيضًا في القضاء على الذباب بوصفه حشرة مزعجة بالإضافة إلى عصافير الدوري!

قد يبدو الأمر عجيبًا لنا، لكنّ (ماو) كان يرى أن العصافير تلتهم الحبوب، إذ يمكن للعصفور أن يأكل 4.5 كيلوغرامات من الحبوب خلال عام، وحسب علماؤه أن ما يأكله مليون عصفور في السنة يمكنه إطعام 60 ألف مواطن صيني!

خطة عبقرية

وعلى هذا الأساس قامت حملة منظّمة للقضاء على عصافير الدوري مع باقي الحشرات عام 1958. فقامت السلطات بوضع ملصقات في أنحاء البلاد تطالب فيها المواطنين بالقيام بواجبهم في القضاء على عصافير الدوري “المطلوبة للعدالة”! ودرّبوا الأطفال على كيفية إسقاط أكبر عدد من العصافير وتحطيم أعشاشها وكسر بيوضها.

انتهت الحملة بقتل ملايين من الجرذان، وملايين الكيلوغرامات من البعوض، وأيضًا ملايين الكيلوغرامات من الذباب، وما يقرب من مليار عصفور دوري! وهذه الأرقام الفلكية تصيب بالذهول وتجعلنا نشكّ بعدم صحتها رغم توثيقها من مسؤولين في الحكومة الصينية.

نتائج الحملة

تمخضت الحملة عن كارثة غير متوقعة.. فقد تحرّر الجراد من جميع الكائنات التي تزاحمه على “لقمة عيشه” فتكاثر بلا توقف واجتاح المزارع والسهول وشكّل سُحبًا فوق المزروعات أكلت الأخضر واليابس. استمعت الحكومة لنصيحة أحد علمائها بإحضار طيور الدوري من أماكن أخرى، لأنها الوحيدة التي تستطيع القضاء على الجراد! لكنّ الأوان كان قد فات، واجتاحت المجاعة الصين ثلاثة أعوام متعاقبة منذ 1959. وتوفي نتيجة المجاعة نحو 15 مليون شخص (أيضًا هذا الرقم الضخم مسرّب من الحكومة الصينية، واستخدم الكاتب الأمريكي توم فيليبس في كتابه “لقد أفسدنا كلّ شيء” أرقامًا مضاعَفة تقارب المليارات). لم تكن الحكومة آنذاك تذكر الأعداد الحقيقية للوفيات بسبب تورطها في حدوث المجاعة، وإن أرجعت السبب إلى الجراد.

نسخة مُصغّرة عمّا حدث في الصين

قبل استلام حافظ الأسد الحكم في سوريا، كان “الروج” -وهو سهل منبسط واسع يقع في محافظة إدلب محاط بالمرتفعات تربته حمراء تميل إلى السواد لذا أُطلِق عليه “بولييه” وهو لفظ فرنسي- تبلغ مساحته 825 كيلومترًا مربعًا، وكان يؤلف مستنقعات تُعرف بـ”أرض الغرق” وفيه عدد من السدود على نهر العاصي (دُمِّرت كلها بعد الثورة من قِبل نظام الأسد الابن). قبل حكم حافظ الأسد، كانت تلك المستنقعات تزوّد المنطقة بسمك السلّور، كما اشتهرت السهول بنوع من البطيخ لا يوجد مثله في مناطق الجوار يُعرف ببطيخ الروج. لكنّ حكومة الأسد ارتأت أن الكوليرا التي اجتاحت المنطقة في السبعينيات كانت بسبب البعوض المهيمن على تلك المستنقعات، فقرّرت تجفيفها للقضاء على البعوض، وبذلك قضت على الثروة السمكية وعلى مصدر ريّ أراضي المنطقة، وقضت أيضًا على كثير من المزروعات وأهمّها البطيخ.

في هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى التصرفات الغبية التي تدفع الحكام والأنظمة إلى التخلي عن المياه لجيرانها مع عدم وجود فائض يكفي المزارعين في تلك البلاد، كما فعل السيسي بتخليه عن مياه النيل وحرم الدولة المصرية من أهم منتجين “القطن والأرز”. وقد فعلها حافظ الأسد قبله حين قضى على زراعة القطن في سوريا، وقد كانت قبله زراعة مزدهرة لها عيد سنوي يُحتفل فيه بانتخاب ملكة جمال القطن.

هذا الشبل من ذاك الأسد

وكما ورث بشّار الحكم ورث الغباء، فمنح الأردن المياه التي تحتاجها، علمًا بأن سوريا نفسها تعاني أزمة في ريّ المحاصيل، لكنّ السياسة كانت تقتضي أن يجذب بشّار الأسد الملك عبد الله إلى جانبه في حربه ضد الشعب السوري، فسارع بإمداده بما يحتاج إليه من المياه.

دراميًّا، تناول الممثل الكوميدي باسم ياخور في إحدى حلقات مسلسل (مرايا) هذا الموضوع، بتجسيده دور ضابط مخابرات يمتلك مصنعًا للأدوية ينتج دواءً للضغط، ولحل مشكلة عدم بيع الدواء في السوق يلجأ الضابط إلى تكثيف الحواجز الأمنية لتعطيل حركة المرور وتقليل إنتاج الأفران لزيادة طوابير الخبز وتقليل ساعات الكهرباء والماء، وكلّ ذلك لرفع الضغط عند المواطنين وإجبارهم على شراء المنتج!

في المجمل، الدراما لم ولن تصل إلى جزء من الواقع المأساوي الذي يعيشه المواطن العربي، خاصة في دولة الأسد.

المصدر : الجزيرة مباشر