الممثل المهرج يواجه الضابط العنيد في أوكرانيا!

الرئيس الأوكراني في أحد الأعمال الدرامية

عندما قام “فلاديمير زيلينسكي” بدور مدرس تاريخ يقاوم الاستبداد، فيتم اختياره من الشعب رئيسا للجمهورية في مسلسل تلفزيوني، ليضحك ملايين الروس والأوكرانيين، لم يتخيل أن الخيال الكوميدي سيتحول إلى واقع عندما انتخبه الشعب رئيسا بالفعل لأوكرانيا عام 2019.

لكن المهرج زيلينسكي، كما يطلق على نفسه، صرخ منذ أيام عندما وجد نفسه يقود حربا مجنونة ضد قوة غاشمة، ربما تكون مقدمة لحرب عالمية ثالثة قائلا: “تركوا أوكرانيا وحدها والعقوبات الجديدة لم تردع روسيا”.

وهكذا وجد الرئيس أو الزعيم وهو اللقب الذي اشتهر به عبر عشرين عاما كممثل وكاتب سيناريست، ومنتج سينمائي، ومقدم برامج توك شو استعراضية نفسه وحيدا بعد أن تخلى عنه الغرب وأمريكا وحلف الناتو بعد أن تركوه وحيدا يواجه الدب الروسي، سوى من وعود بعقوبات ومساعدات عسكرية لن تغني عنه من روسيا شيئا.

المهرج رئيسًا

جاء الظهور الأول لفلاديمير زيلينسكي ذي الأصول اليهودية على شاشات التلفزيون الأوكرانية بوصفه رئيسا للدولة، على هيئة ممثل في مسلسل كوميدي ذي شعبية كبيرة في البلاد، وقد بدأ المهرج زيلينسكي حياته السياسية عقب إعلان ترشحه للرئاسة في ليلة رأس السنة، وبدا الأمر كأنه دعاية لأحد برامجه الاستعراضية، إلا أنه استطاع تحقيق المفاجأة بعد مرور 4 أشهر فقط إذ تمكن من تحقيق فوز ساحق على الرئيس الأوكراني السابق “بترو بوروشنكو” ليصبح المهرج رئيسا للبلاد.

والآن يواجه هو وبلده غزوا عسكريا من دولة كبرى، فهل يستطيع المواجهة بعد أن أصبح التمثيل حقيقة وهو يواجه خصما عنيداً وقوياً،؟ وهل يستطيع بطل فيلم “الحب في المدينة الكبيرة” المحافظة على المدينة؟

هو يواجه الرئيس الروسي ” فلاديمير بوتين”، ضابط الاستخبارات السابق، والذي يشغل منصب رئيس روسيا منذ عام 2012، وكان يشغل هذا المنصب سابقا من عام 2000 حتى 2008 بين فترتي رئاسته، وكان أيضا رئيس وزراء روسيا تحت رئاسة أحد المقربين منه، وهو الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف، وهو صاحب الشخصية العنيدة والعنيفة، والذي تغلبه روح الهيمنة والسيطرة على كل شيء.

الضابط العنيف

“بوتين” شخصية صعبة تخشاه الدول، و”تعمل له ألف حساب”، وأمريكا نفسها تتحاشى الصدام معه، وكانت تُرضي أطماعه إذا تعلقت ببلادنا العربية كسوريا مثلا أو أفريقيا أو دويلات أقل شأنا؛ لكن عندما وصلت أطماعه لأحد حلفائها خرج صوتها؛ لكنه لم يكن بالقوة المسموعة التي تخيف الدب الروسي.

وظنت أمريكا أنها تتعامل مع رئيس دولة ضعيفة يرهبه التهديد، أو زعيم دولة عربية يكفيه الإشارة بالعقوبات، لا مع ديكتاتور يناطحها في ملكها بقوته العسكرية وأسلحته النووية وتحالفاته القوية، ففشلت في تلجيمه.

ولن تؤثر العقوبات على روسيا في المدى القريب وربما البعيد، وسوف تتأثر أوربا أيضا، فالحروب يدخلها المغامرون ويدفع ثمنها الشعوب حتى ولو كانت دولا “لا ناقة لها ولا جمل ” كما يقول المثل العربي المشهور.

وأعتقد أن التاريخ سيتغير ما كان قبل يوم ٢٤ فبراير ٢٠٢٢ ليس بمثل ما بعد هذا اليوم، والتأثير على أوربا وجميع دول العالم سيكون كبيرا على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وستكون هناك تغييرات دولية كبيرة على المستوى القريب والبعيد.

دولة نووية في الماضي

ومن الغريب أن تسمع الذين طالما انتهكوا القانون الدولي وجعلوا منه أضحوكة، وهم يتحدثون الآن عن انتهاك روسيا للقانون الدولي، فالقانون الدولي وحقوق الإنسان والأمم المتحدة هي أكبر الأكاذيب، في العصر الحديث، فنحن ما زلنا نعيش تحت قانون الغاب إذ القوة هي القانون، حيث باتت الهيمنة الروسية على أوكرانيا مسألة وقت، وسوف تفرض روسيا وجهة نظرها، وتفرض ما تريده بالأمر الواقع بعد أن فقدت أوكرانيا قوتها عندما تنازلت عن أسلحتها النووية، حيث كانت تملك ثلث ترسانة العالم النووية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، واستقلالها سنة 1991، وفككتها بالكامل وسلمتها إلى روسيا بتوصية أمريكية للحدّ من الانتشار النووي، مقابل وعد أمريكي بالحماية وتعهدات روسية بعدم الغزو، وها هو الغزو يحدث؛ لأن مَن يتخلى عن سيفه غالبا سيموت.

ففي عام ١٩٩١ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حصلت أوكرانيا على ثلث الأسلحة النووية السوفيتية (حوالي ٥٠٠٠ صاروخ وسلاح نووي متنوع)، وأصبحت ثالث أكبر قوة نووية في العالم.

وعلى مدار ثلاث سنوات ظلت روسيا وأمريكا تحاولان إقناع وإغراء أوكرانيا من أجل تدمير ترسانتها النووية، وتزعمت واشنطن المفاوضات، خاصة أن الصواريخ الموجودة في كييف هي صاحبة المدى الأكبر في العالم، والتي تصل إلى ٧٠٠٠ كيلو متر، وهي قادرة على الوصول لأمريكا.

تخلي حلف الناتو

وفي سنة ١٩٩٤ قررت كييف تدمير ترسانتها النووية مقابل بعض المساعدات المالية من واشنطن، ووقّعت أوكرانيا مع أمريكا وبريطانيا وروسيا وأيرلندا الشمالية ما عرف بمذكرة بودابست التي التزمت فيها الدول الأربع بالدفاع عن أوكرانيا، وعدم الاعتداء عليها مقابل تخلصها من سلاحها.

واليوم، نرى أن روسيا التي وقعت على حماية كييف هي التي تغزوها، والدول الثلاث الذين وقعوا على المذكرة يتفرجون على الدب الروسي وهو يلتهم أوكرانيا..

فحاليا الطيران الروسي يسرح ويمرح في الأجواء الأوكرانية، في الوقت الذي خذلها الغرب ورفض تزويدها بمنظومات دفاع جوي متطورة، وهذا يؤكد أن التحالفات مع الغرب وأمريكا تحالفات فاشلة، وعند الجد لن يقفوا مع أحد، وهذا الأمر يجب أن يتنبه له العرب والمسلمون.

أخيرا.. الحرب ليس مزحة أو نكتة، ولا مجال للسخرية فيها.. الحرب على المستوى المحلي تعني ارتفاعا كبيرا في الأسعار خاصة السلع الغذائية؛ لأن أوكرانيا وروسيا من أكبر الدول المصدرة للقمح، ونحن في مصر والوطن العربي من أكبر الدول المستوردة للقمح، وهذه الحرب ستؤثر علينا بكل تأكيد على المستوى القريب والبعيد، وستتغير خريطة العالم السياسية والاقتصادية.

 

المصدر : الجزيرة مباشر