“البكتاشية”.. قصة طريقة صوفية تواجه برفض شعبي في تركيا!

مزار ومتحف حاجي بكتاش

جرت العادة على أن استقبال العامة والمثقفين لأفكار الطرق الصوفية الروحية تتسم دوما بالقبول الممزوج بالتعاطف لكونهم أهل الخطوة كما يُطلق عليهم، فيتم الاحتفاء بمؤسسي هذه الطرق وشيوخها، وتعظيم شعائرهم، وتقدير أتباعها والمنتمين لها، لكونهم أشخاصا أنقياء يسعون للوصول إلى حقيقة الذات الإلهية، ومن أجل هذا اختاروا بإرادتهم السير في طريق التقشف والزهد والابتعاد عن ملذات الدنيا، ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى كما هو الحال في الطريقة النقشبندية والمولوية وغيرهما من الطرق الصوفية المعروفة.

لكن هناك طرقًا مرفوضة شعبيًّا، وهي تثير دومًا جدلًا ونقاشًا حادًّا بين مؤيديها ومعارضيها، وعلى رأسها الطريقة البكتاشية؛ إذ نجد من يهاجمونها ويرفضون تعاليمها الصوفية ويعتبرون أتباعها خارجين عن ملة الإسلام، ولا ينتمون إلى المسلمين لا من قريب ولا من بعيد.

هذا رغم انتشارها في تركيا وإيران والصين ومصر والعراق ولبنان وسوريا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا، ووجود أتباع لها ومريدين في الكثير من بلدان العالم الإسلامي وعدد من الدول الغربية، والاعتراف الرسمي الذي تحظى به هذه الطريقة في هذه الدول، وتعظيم شيوخها، وإتاحة الفرصة لأتباعها ومريديها لممارسة شعائرهم وطقوسهم، مثلما يحدث هنا في تركيا في الثامن من أغسطس كل عام، حيث يتوافد الزائرون من مختلف أنحاء المعمورة على مدينة نيفشهر للاحتفال سنويا بذكرى ميلاد مؤسسها حاجي بكتاش والي أو الحاج محمد بكتاش والي، وإطلاق الرئاسة التركية اسم “حاجي بكتاش” ليكون الرمز الثقافي والاجتماعي الذي تتمحور حوله كافة فعاليات عام 2021 بمناسبة الذكرى 750 لوفاته، حيث أكد المرسوم الجمهوري أن أفكاره ساهمت بفاعلية في تكوين الهوية الاجتماعية لمنطقة الأناضول.

حاجي بكتاش.. مولده ونسبه وتعليمه

ويبدو أن هذا الخلاف الممتد على مدى قرون يعود في الأساس إلى نشأة مؤسسها حاجي بكتاش والي أو الحاج محمد بكتاش والي، الذي ولد في خراسان، وبالتحديد في مدينة نيسابور الإيرانية، فهو فارسي المولد، من أصول تركية، يمتدّ نسبه إلى موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. تلقى تعاليمه الدينية والفقهية على يد الشيخ أحمد اليوسفي، شيخ الطريقة اليوسفية، وامتزجت تربيته بين الصوفية الروحية والفكر الشيعي السائد في هذه المنطقة.

وتشير المراجع التاريخية القليلة التي تتناول سيرة حاجي بكتاش والي، إلى أن الرجل شدّ الرحال إلى منطقة الأناضول بتعليمات من شيخه اليوسفي نفسه، وأنه مر خلال رحلته الطويلة من نيسابور إلى الأناضول بالعديد من المدن الإسلامية، فزار مكة، والمدينة، والنجف، وكربلاء، والشام، وحلب، والقدس.

التقى حاجي بكتاش والي بعد وصوله إلى منطقة الأناضول بالسلطان علاء الدين كيكباد الثاني، كما قابل جلال الدين الرومي وشهدت لقاءاتهما العديد من المناقشات الصوفية.

البكتاشية وبداية علاقتها بالدولة العثمانية

ويعود الفضل إلى حاجي بكتاش والي في المساهمة بفاعلية في إنشاء قوات الإنكشارية، التي اعتبرت القوة الضاربة داخل الجيش العثماني طيلة القرون التي حكمت فيها الإمبراطورية العثمانية، إذ تشير الروايات إلى أن أورخان غازي بن عثمان الأول عندما علم بما يتمتع به حاجي بكتاش من بركة وعلم توجه إليه على رأس مجموعة من جنوده طالبا البركة والدعاء، وعندما التقاهم الشيخ وضع يده على رأس أول جندي على يمينه، وتنبأ لهم بتشكيل قوة ضاربة تثير الخوف والفزع في قلوب الأعداء، وتهزمهم شر هزيمة، وأعطاهم راية مرسوما عليها سيف “ذو الفقار” (السيف الخاص بسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه) ودعا لهم بالنصر على أعدائهم وأعداء الإسلام، ومنذ ذلك اليوم ارتبطت فرقة الإنكشارية ارتباطا وثيقا بالشيخ وبطريقته الصوفية، التي عُرفت لاحقا بالطريقة البكتاشية. وقد كلّف أورخان غازي الشيخ بتولي مهمة تربية الأطفال المسيحيين الذين يؤسَرون خلال الفتوحات تربية دينية، وإعدادهم ليكونوا قوة ضاربة داخل الجيش العثماني، وقد كانت التكايا البكتاشية في البداية هي التي تلقى فيها الإنكشارية تعليمهم الديني، قبل أن تتطور وتصبح العامل المؤثر داخل الجيش الإنكشاري بعد أن اتسع حجمه وزاد عدد أفراده. كما أرسل حاج بكتاش والي 360 من تلاميذه ليقوموا بمهمة التعليم والإرشاد في مختلف مناطق الدولة العثمانية، الأمر الذي كان عاملا في انتشار التكايا والزوايا البكتاشية؛ ومن هنا جاء ارتباط اسم الشيخ بالدولة العثمانية بعد أن توثقت أواصر العلاقة بينه وبين سلاطينها نتيجة هذه المهمة التي كُلف بها، وأداها على أحسن ما يكون.

توفي حاجي بكتاش والي عام 1337م بعد أن أرست الدولة العثمانية قواعدها على كافة ربوع منطقة الأناضول، وبمرور الوقت أصبح هناك في كل معسكر أو ثكنة عسكرية شيخ من شيوخ البكتاشية يقوم بتعليم الجنود وتربيتهم دينيًّا.

حل الإنكشارية، وإنهاء وجود البكتاشية في الدولة العثمانية

امتدت العلاقة القوية بين الطريقة البكتاشية والجيش الإنكشاري قرونًا طويلة، ولم تنته إلا حينما أمر السلطان محمود الثاني عام 1825م بحل ذلك الجيش بعد أن تحول إلى قوة تعيق تطوير الدولة العثمانية، وتعيث في الأرض فسادًا، وتتدخل في سير نظام الحكم، وتقوم دون سند قانوني أو فقهي بتولية من تراه مناسبًا للحكم، وتخلع من لا يناسبها.

قرار السلطان محمود لم ينه وجود الجيش الإنكشاري فقط، بل أنهى كذلك وجود ونفوذ الطريقة البكتاشية داخل تركيا بعد أن أغلق الزوايا البكتاشية المنتشرة في أنحاء السلطنة العثمانية، ورغم أن السلطان عبد المجيد أمر بإعادة فتح التكايا والزوايا البكتاشية مرة أخرى فإن وجودها داخل الدولة العثمانية أصبح ضعيفا، وغير مؤثر. وفي سنة 1925م صدر قرار من الحكومة التركية بإلغاء جميع الطرق الصوفية ومن ضمنها الطريقة البكتاشية.

انتقال البكتاشية من ألبانيا إلى مصر واستقرارها بها

ومع هذا ظل وجود البكتاشية الروحي قويًّا في البلقان، حيث انتخب الدراويش ومريدو البكتاشية صالح نيازي شيخًا لهم، فسافر إلى ألبانيا وتولى من مقره في تيران -حيث التكية الرئيسية للطريقة البكتاشية- إدارة أمور جماعته إلى أن اغتيل سنة 1942م، فخلفه ابنه عباس داده بابا، ثم انتحر عباس عند دخول البلاشفة إلى ألبانيا.

وفي أعقاب هذه الأحداث انتقلت الطريقة البكتاشية إلى مصر، لتصبح القاهرة منذ ذلك التوقيت هي المركز الرئيسي والوحيد لها، حيث يوجد مشايخ الطريقة الذين يتولون مهمة تعليم الأجيال الجديدة طقوس البكتاشية المتوارثة، رغم قيام الدولة المصرية في خمسينيات القرن الماضي بحل جميع الطرق الصوفية داخل مصر.

انتقال البكتاشية إلى مصر لم يمنع الأتراك الذين ينتمون إليها من إقامة مزار ومتحف في قصبة حاجي بكتاش الواقعة في مدينة نيفشهر وسط الأناضول، في نفس المكان الذي يوجد به ضريح حاجي بكتاش والي، وهو المتحف الذي افتتحته وزارة الثقافة والسياحة التركية بعد أن ظل المزار مغلقا مدة تزيد عن 188 عاما، ليصبح المكان مزارا سياحيا ضخما يزوره الأتراك والسائحون، وفي عام 2012 صنفته اليونسكو ضمن الآثار العالمية.

حاجي بكتاش والي “شيخ المتصوفين ودرويش الدراويش”

تعد الطريقة البكتاشية -وفق تاريخها- طريقة صوفية ذات منشأ ينتمي للفكر الشيعي، لكنها مع مرور الوقت، وبمعاشرتها للشعوب الإسلامية السنية في كل من تركيا ومصر تحول الكثير من أفكارها إلى التواؤم مع الفكر السني، ويرى كثير من الباحثين في الطرق الصوفية أن حاجي بكتاش والي قاد ثورة فكرية جديدة في زمنه، وأنه استحق عن جداره تلك الألقاب التي اُطلقت عليه، حيث يلقب بـ”شيخ المتصوفين” و”سلطان القلوب” و”درويش الدراويش”.

اعتمدت البكتاشية في بداياتها الأولى عددا من الشعائر البسيطة التي تؤدَّى في الاحتفالات الشعبية، والمراسم الرسمية مثل إشعال الشموع، وأداء أنواع معينة من الموسيقى، وإلقاء الوعظ الديني، والتكبير في مراسيم الاحتفال باستقبال منتمين جدد إلى الطريقة. وهذه الشعائر تطورت بشكل كبير وصارت أكثر تعقيدا مما بدأت به، أما مظهرهم فكان يعتمد على حلق الرأس وارتداء قبعة بيضاء طويلة.

الأفكار الرئيسية للطريقة البكتاشية

أما الأفكارالأساسية التي بنى عليها حاجي بكتاش والي طريقته، والتي يمكن استنتاجها من كتبه ومؤلفاته فترتكز على تقسيمه المسلمين إلى أربعة مجموعات هم أهل الشريعة العابدون، وأهل الطريقة الزاهدون، وأهل المعرفة العارفون، وأهل الحقيقة المحبون.

إذ يقول حاجي بكتاشي والي: “الشريعة باب رفيع، لأنها تبين أن الأشياء حلال أو حرام، ونظيفة أو متسخة، ويجب القيام مطلقًا بما أمر الله تعالى به في القرآن، واجتناب ما نهى عنه، لكن الإنسان لا يكفيه نيلُ معلومات الشريعة وحدها.

أما أهل الطريقة فيذكرون الله ليلًا نهارًا، ويستعدون للآخرة، لكنهم إذا كثُرت الحسنات التي يقومون بها في أعينهم، واغتروا بها، لا يمكن أن ينضجوا.

وأهل المعرفة العارفون مثل الماء طاهر ومُطهر في الوقت ذاته، وهم محبوبون من الله، لأنهم يُراعون الأدب، ويريدون الله فقط دون تفكير في المنافع الدنيوية والأخروية.

وأما أهل الحقيقة المحبون فهم أنضج الناس، وأعلاهم مرتبة، صاروا أصحاب تواضع ورضى وتسليم، وألغوا شخصياتهم، ووصلوا إلى الله، ووصلوا إلى مقام المناجاة والمشاهدة الدائمة، فصاروا عُشاقا لله، وأشخاصا مقدّسين. ويوجد في كل مجموعة منهم عشر مقامات، بحيث يكون مجموعهم معًا أربعين مقاما”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر : الجزيرة مباشر