من أمن العقاب.. أساء الأدب: الجانب العشوائي من العالم

إدي ريدماين على السجادة الخضراء لعرض فيلم "The Good Nurse" في مهرجان زيوريخ السينمائي

لماذا؟ سؤال يستنفر فى داخلك الفضول الإنساني والشغف المعرفي..  إنسان العصرالحديث غير قادر على استيعاب أن هناك أسئلة لا توجد لها إجابات رغم التقدم العلمي المذهل. الإجابة ستكون مجرد تكهنات لاتصل إلى مرحلة اليقين، الأسئلة التى ليس لها إجابة تثير مخاوف الناس وتقلقهم. الأمان فى كثير من الأحوال يرافق اليقين المعرفي، وبدون هذا نغادر المساحة الآمنة إلى منطقة الارتياب والقلق.

فى الحياة العامة كما فى الحياة الخاصة هناك دوما أسئلة تطاردنا فى كل لحظة لأن العقل لم يجد إجابة تفسر حدوثها، فهو لايستوعب أن هناك فى العالم جزءا عشوائيا لاينطبق عليه القواعد، ولا تشمله معايير.

السينما، من أكثر الأدوات الفنية قدرة على التقاط وملاحظة هذا الجزء العشوائي غير المبرر فى عالمنا الإنساني وعرضه بطريقة جذابة ومثيرة. قدمت السينما مئات الأفلام التى تدخل تحت مسمي: أفلام الرعب، يقوم فيها شخص مهووس وبلا سبب واضح بالقتل وبطريقة وحشية، هذه النوعية من الأفلام  لا تقدم إجابة عن سؤال: لماذا يقتل؟ وحين تقابل بنجاح فى شباك التذاكر تتحول إلى سلسلة، تظل محتفظة بشخصية القاتل ذي الدوافع الغامضة والمجهولة، أما التغير فيطال الأحداث وأبطال العمل، يخرج المشاهد من هذه الأفلام وقد ارتفع عنده مستوى الأدرينالين، ولكن يظل واعيا أن ما شاهده مجرد فيلم وليس حقيقة، ولكن ماذا لو أصبح حقيقة  كما فى فيلم الممرضة الصالحة؟

القاتل لم يجد من يردعه

فيلم: The Good Nurse يعرض على منصة نتفليكس، من بطولة جيسيكا شاستين (في دور الممرضة آمي لوجرين) وإدي ريدماين ( الممرض تشارلز كولين)، وكلاهما حاصل من قبل على أوسكار أحسن ممثل، الفيلم من إخراج توبياس ليندهولم مأخوذ عن كتاب بنفس العنوان ل”تشارلزجريبير”نشرعام 2014 وأحداثه مأخوذة عن قصة حقيقية.

تدور الأحداث عام 2003 حول ممرضة العناية المركزة العطوفة على مرضاها” آمي لوجرين”، التى ساهمت فى القبض على زميلها وصديقها تشارلز كولين، الرجل الذي يُعتقد أنه مسؤول عن قتل ما يقدر بنحو 400 مريض، خلال ستة عشر عامًا من عمله ممرضا في المستشفيات بجميع أنحاء نيوجيرسي وبنسلفانيا، ولقد أقر بالذنب بقتل 29 مريضًا في عام 2003. ويقضي الآن 18 حكماً متتالياً مدى الحياة في سجن ولاية نيو جيرسي. وهو لم يشرح أبدًا سبب قيامه بذلك، فى الفيلم مشهد يجمعه بزميلته آمي، حين زارته فى مقر احتجازه وطالبته بالاعتراف بجرائمه ولماذا فعل ذلك؟ فكان رده: لأننى لم أجد من يردعني!!

هذه الإجابة ذكرتنى بالمشهد الافتتاحي للفيلم الإسباني (The Silence of the Marsh) إنتاج ٢٠١٩، ويدورفى قاعة مكتبة أثناء حفل توقيع المؤلف لكتابه الجديد، وتسأله قارئة:

  • أنا من المعجبات بأعمالك؟ لكن هل تسمح لي بسؤال: لماذا لم تعطنا سببا للقتل في روايتك؟
  • لأنه لا يوجد سبب.
  • إذن لماذا أقدم القاتل على قتل ضحيته؟
  •  لأنه يستطيع!

الكاتب، وهو بطل الفيلم متخصص في روايات الجريمة، نشاهده يقوم بتنفيذها ثم يكتب عنها، وهو لا يقدم مبررًا لهذه الجرائم سوى أنه يستطيع أن يفعلها دون خوف من عقاب أو ملاحقة عذاب ضمير.

العالم ليس عادلا كما يظن الأنقياء

كثير من الأحداث والجرائم فى حق أفراد وشعوب ودول قام بها أفراد لأنهم لا يخشون عقابا أو ردعا، وهناك أمثلة لاحصر لها على ذلك ولكن على سبيل المثال: النازيون استخدموا الغاز السام لأغراض القتل الجماعي في أواخر 1939 للتخلص من المرضى المصابين بأمراض عقلية أو عجز بدني، فلقد أعتبروهم “لا يستحقون الحياة”، وكذلك فعلوا مع اليهود وغيرهم. فعل هتلر ذلك لأنه لم يجد من يردعه بعد أن أصبح هو القانون.
وحين غزت أمريكا العراق دون موافقة دولية، دمرت دولة تعتبر بيوت العوائل فيها أطول عمرا من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، كيف تجرأ بوش الابن على هذا الخراب، وهو يعرف مقدار الكذبة التي استند عليها في غزوه؟ فعلها لأنه يعرف أن لا أحد قادر على ردعه وعقابه، وكذلك فعل الجنود الأمريكيون فى سجن أبوغريب حين انتهكوا كرامة السجناء العراقيين، وتعاملوا معهم بوحشية وانحطاط أخلاقي لأنهم كانوا واثقين من عدم وجود رقابة أو عقاب.

الجنرال التشيلي “أوجستو بينوشيه” قام بالانقلاب على الرئيس اليساري المنتخب سلفادور ألليندي، لصالح المخابرات الأمريكية، هذا الرجل استخدم سلاح التعذيب والترهيب والسجن والبطش والاختفاء القسري مع معارضيه من أبناء شعبه، خلال فترة حكمه الممتدة إلى 17 سنة، فعل كل ذلك “لأنه يستطيع”، فلديه قوة البندقية في الداخل والسند من قوة عظمى في الخارج.

العالم ليس عادلا كما يظن الأنقياء، كثيرون يقدمون على جرائم شتى فقط لأنهم يستطيعون، أو لأنهم يأمنون العقاب أولأنهم لم يجدوا من يردعهم …وعلينا أن نتقبل أن هناك أسئلة تبدأ بـ”لماذا” لا توجد لها إجابات صحيحة أو نموذجية، لكن رغم جنون الغطرسة وغرور القوة الغاشمة، نحمد الله  أن قواعد وسنن الكون تتنتصر في النهاية علي العشوائية اللامنطقية… وسيظل على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

المصدر : الجزيرة مباشر