ماذا تعرف عن “الفاتورة الإلكترونية”؟

القوانين الضريبية المصرية تفشل في إلزام المهن الحرة بتقديم إيصالات للزبائن منذ 29 عاما

المحامون المصريون في وقفتهم ضد الفاتورة الإلكترونية

تعددت الوقفات الاحتجاجية أمام المقار الفرعية لنقابة المحامين بالمحافظات خلال الأسبوع الماضي، وكان أكبرها أمام النقابة العامة بالقاهرة بتصريح من الأمن لساعات محددة، اعتراضًا على إلزام المحامين بالانضمام إلى منظومة الإيصال الإلكتروني قبل منتصف الشهر الحالي، وتوعد القانون غير المنضمين بغرامة مالية لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد عن مائة ألف جنيه.

وانضمت إلى المعارضين للإلزام بذلك الإيصال الإلكتروني نقابات الأطباء والصيادلة، بدعوى أنه يلزمهم بالتعاقد مع شركة لشراء البرنامج والأجهزة بتكلفة سنوية مرتفعة، كما أعلن نقيب الممثلين تحفظه عليه، وتعاطف عدد من كبار مذيعي الفضائيات مع تلك المطالب، حيث إنهم من بين الملزمين بالتسجيل ضمن تلك المنظومة التي تشمل كافة المهن الحرة من محاسبين وإعلاميين ومهندسين وفنانين وأطباء وغيرهم من أصحاب المهن غير التجارية.

وانقسم الرأي العام بين مؤيد لمنظومة الإيصال الإلكتروني، لتقديمها لمصلحة الضرائب لخصم قيمتها من التكاليف خاصة مع ارتفاع أتعاب الأطباء والمستشفيات الخاصة والمحامين والاستشاريين وغيرهم، وجاء ترحيب بعض المؤيدين نكاية بما يحصل عليه الإعلاميون من أجور ضخمة وكذلك الفنانون وكبار الأطباء وكبار المحامين.

   الإيصال يرفع أسعار راقصات الأفراح

ورأى آخرون أن أعباء تلك الإيصالات ستكون على حسابهم، حيث سيقوم أصحاب تلك المهن بزيادة قيمة أتعابهم، بما يزيد عن قيمة الضرائب المطلوبة منهم، فسيرفع المغني الذي يحيي الأفراح أجره، وكذلك الراقصة وعارضة الأزياء والموسيقيون والمخلص الجمركي، وحتى المقرئون في سرادقات العزاء وباقي أصحاب المهن.

ويرى بعض المعارضين ومنهم الإعلاميون أن التوقيت غير مناسب لفرض المزيد من الأعباء على المواطنين، في ظل أزمة اقتصادية أدت إلى استمرار حالة الركود بالأسواق للشهر الرابع والعشرين على التوالي حتى نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حسب مؤشر مديري المشتريات، ونقص الدولار بالبنوك وظهور السوق السوداء، وتعطل عمليات استيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والأعلاف، مما زاد من أسعار المنتجات الحيوانية وارتفاع أسعار السكر والأرز وغيرها.

وزارة المالية في مأزق شديد، حيث قدرت بلوغ العجز الكلي بموازنة العام المالي الحالي 2022/ 2023 الذي ينتهي آخر يونيو/حزيران المقبل بنحو 558 مليار جنيه. وقد زاد سعر الفائدة خلال النصف الأول من العام المالي بنسبة 2%، ويتوقع زيادته مرة أخرى؛ مما سيزيد من تكلفة فوائد الدين الحكومي البالغة أصلا 690 مليار جنيه، كما انخفض سعر صرف الجنيه أمام الدولار؛ مما يزيد من تكلفة فوائد وأقساط الدين الخارجي في موازنة تستحوذ تكلفة الدين الحكومي من فوائد وأقساط على 54% من إنفاقها، كما تسببت تداعيات عدم تمويل البنوك للواردات وآثار الحرب الروسية الأوكرانية والركود والتضخم، في تراجع إيرادات وأرباح الكثير من الشركات؛ مما سيؤثر في الإيرادات الضريبية.

حصيلة قليلة لضرائب المهن الحرة

ولذلك تسعى وزارة المالية لزيادة الحصيلة الضريبية بوسائل شتى، منها السعي لزيادة حصيلة الضرائب المحصلة من المهن الحرة، التي تجلب حصيلة لا تتناسب مع كبر حجم تلك المهن وارتفاع دخول كثير من العاملين بها، ففي العام المالي 2018/ 2019 بلغت حصيلتها الضريبية 2.5 مليار جنيه بنسبة ثلاثة بالألف من إجمالي الحصيلة الضريبية في ذلك العام.

وفي العام المالي التالي بلغت 2.8 مليار جنيه بنسبة أربعة بالألف، وفي العام المالي 2020/ 2021 بلغت نحو 4.2 مليارات جنيه بنسبة خمسة بالألف، وفي العام المالي 2021/ 2022 بلغت نحو 5.6 مليارات جنيه بنسبة ستة بالألف، وبلغت تقديرات الوزارة للحصيلة في العام المالي الحالي 6.2 مليارات جنيه بنسبة خمسة بالألف من مجمل الضرائب المتوقعة.

ولا توجد بيانات محددة عن عدد أصحاب المهن الحرة، والمتاح فقط هو عدد أعضاء النقابات المهنية البالغ 9.1 ملايين عضو عام 2019 حسب بيانات جهاز الإحصاء، لكن نسبة كبيرة من هؤلاء يعملون بالحكومة أو بشركات القطاع الخاص ويتم خصم ضرائب الدخل منهم من المنبع، وهناك نسبة قليلة لديهم مكاتب ومشروعات خاصة وهؤلاء هم المستهدفون بتحصيل ضرائب المهن الحرة منهم.

وحسب تلك البيانات يبلغ عدد أعضاء نقابة المهندسين 725 ألف مهندس، والأطباء البشريين 275 ألف طبيب، ويصل عدد أعضاء نقابة المهن الموسيقية 21 ألف موسيقي، وأعضاء نقابة المهن السينمائية 14 ألف، وأعضاء نقابة المهن التمثيلية أقل من أربعة آلاف.

والغريب أن الإيصال الذي تظاهر المحامون احتجاجًا عليه، منصوص عليه في المادة 73 من القانون 187 لسنة 1993، أي منذ 29 عاما. وهو يلزم الممول بتسليم كل من يدفع إليه مبلغا مستحقا له بسبب ممارسة المهنة أتعابًا أو عمولة أو مكافآت أو أي مبلغ آخر خاضع لهذه الضريبة، إيصالا موضحا به التاريخ وقيمة المبلغ المحصل موقعا عليه منه، ويستخرج هذا الإيصال من دفتر ذي قسائم مسلسلة تسلمه مصلحة الضرائب لكل ممول.

وتكرر النص على ذلك الإيصال بقانون الضرائب على الدخل رقم 91 لسنة 2005 الساري حتى الآن في المادة 78 منه، بل إن نفس المادة تحدثت عن إمساك الممولين حسابات إلكترونية توضح الإيرادات والتكاليف السنوية، ولقد حاول وزير المالية يوسف بطرس غالي الذي صدر القانون في عهده، تطبيق مسألة الفاتورة على أصحاب المهن الحرة لكنه وجد مقاومة شديدة، خاصة أنه استهدف توسيع دائرة تطبيقه بين كل من يقدم خدمه حتى محلات الكوافير وصالونات الحلاقة.

  تنفيذ الفاتورة وصل إلى المرحلة النهائية

وجاء قانون الإجراءات الضريبية الموحد رقم 206 لسنة 2020، لينص على وجوب إصدار الشركات وغيرها من الشخصيات الاعتبارية الطبيعية، فاتورة إلكترونية عن كل عملية بيع موقعة إلكترونيا من مُصدرها، وعلى الشركات وغيرها التعاقد مع إحدى الشركات المرخص لها من وزير المالية لتنفيذ النظام الإلكتروني.

وجاءت المادة 37 من القانون صريحة بأنه يجب على كل ممول أو مكلف وغيرهم ممن يفرض عليهم القانون ذلك، إصدار فاتورة ضريبية أو إيصال مهني بالنسبة لمن يزاول مهنة حرة، عند بيع السلعة أو أداء الخدمة، وحدد البيانات المطلوب أن تشتمل عليها الفاتورة أو الإيصال.

ونص القانون بالمادة 71 منه على عقوبة بغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تزيد على مئة ألف جنيه، في حالة عدم إصدار الفاتورة الإلكترونية أو الإيصال، ونفس العقوبة لعدم الالتزام بالبيانات التي يجب أن تحتويها الفاتورة أو الإيصال، ونفس العقوبة لعدم إمساك حسابات إلكترونية توضح الإيرادات والتكاليف السنوية.

وعقب صدور قانون الإجراءات الضريبية الموحدة في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، بدأت مصلحة الضرائب في إلزام عدد من الشركات الكبيرة بتطبيق الفاتورة الإلكترونية في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام ضمن مرحة أولى، تلتها مرحلة ثانية بعدد أكبر من الشركات في منتصف فبراير/شباط 2021، وكان التزام الشركات الكبيرة الحجم به واسعا خاصة مع تصريح الوزير بتحويل شركات للنيابة لعدم التزامها بالفاتورة الإلكترونية.

واستمرت المراحل حتى وصلت إلى المرحلة الأخيرة منتصف الشهر الحالي، مع منح تلك الشركات مهلة للتجربة حتى بداية مارس/آذار من العام المقبل، لتصبح الفاتورة الإلكترونية ملزمة للجميع مع بداية أبريل/نيسان من العام القادم، ولإظهار الجدية ذكرت وزارة المالية أن الجهات الحكومية لن تتعامل في تعاقداتها مع غير الشركات المنضمة إلى منظومة الفاتورة الإلكترونية.

والفاتورة الإلكترونية تكون بين شركة وشركة أخرى، أما الإيصال الإلكتروني فيكون بين تاجر أو مقدم خدمة والمستهلك النهائي، ومن هنا فإن أصحاب المهن الحرة ممن لديهم شركات ملزمون بالفاتورة الإلكترونية.

أما من لديهم مكاتب فردية أو عيادات خاصة أو يعلمون لحسابهم، فإن الإلزام بالإيصال الإلكتروني لهم ما زال أمامه بعض الوقت، حيث تمر الوزارة فيه حاليا بمرحلة التجارب، وربما تستغرق تلك التجارب عدة شهور وقد تستغرق عاما، تكون خلالها قد استطاعت زيادة الوعي به بين أصحاب المهن الحرة وتيسير إجراءات تنفيذه بينهم.

نقابات المحامين الفرعية شاركت في الوقفة
المصدر : الجزيرة مباشر