العسكر للثكنات والأحزاب للانتخابات.. هل يصدق البرهان؟!

لا يمكن وصف الاتفاق الجديد بالشمول لكل المكونات السياسية السودانية (الرئيسية على الأقل) فالذين وقعوه بخلاف المكون العسكري هم جزء وليسوا كل القوى السياسية

توقيع الاتفاق السياسي الإطاري في السودان (الأناضول)

 

بتوقيع الاتفاق السياسي الإطاري بين المجلس العسكري ومركزية الحرية والتغيير (الاثنين 5 ديسمبر/كانون الأول 2022) نكون أمام محطة مهمة جديدة للثورة السودانية التي انطلقت في ديسمبر 2018، ولم تصل إلى محطتها النهائية بعد، قد تكون هذه هي المحطة قبل الأخيرة التي يُفترض أنها ستكون إجراء انتخابات شاملة تُنتج حكومة مدنية وفقا لدستور جديد، وقد تكون مجرد محطة مثل غيرها من المحطات السابقة التي أسهمت في إطالة الفترة الانتقالية حتى الآن (4 سنوات) خاصة أنها تفتح الباب لتمديد جديد للفترة الانتقالية لمدة سنتين، وقد نفاجأ في نهاية هاتين السنتين بانقلاب جديد كسابقه الذي وقع في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 الذي ألغى الوثيقة الدستورية (2019) وما نتج عنها من حكومة ومؤسسات.

اتفاق ليس شاملا

لا يمكن وصف الاتفاق الجديد بالشمول لكل المكونات السياسية السودانية (الرئيسية على الأقل)، فالذين وقّعوه بخلاف المكون العسكري هم جزء وليسوا كل القوى السياسية، صحيح أن هذا الجزء يضم قوى وازنة مثل حزب الأمة والمؤتمر الشعبي والمؤتمر السوداني والجبهة الثورية وجماعة أنصار السنة، وجزء من حزب البعث، لكن الصحيح أيضا أن قوى كبرى أخرى عارضت الاتفاق منها قوى الحرية والتغيير (التكتل الديمقراطي) التي تضم كيانات وازنة أيضا مثل الحزب الاتحادي وزعيمه الروحي محمد عثمان الميرغني، ونداء أهل السودان الذي يضم الطرق الصوفية مع بعض المكونات الإسلامية والوطنية والقبلية الأخرى، والتيار الإسلامي العريض، وكذلك الحزب الشيوعي السوداني وحزب البعث وحركتا أركو مناوي وجبريل إبراهيم المسلحتان، وتنسيقيات شرق السودان برئاسة الناظر ترك. والملاحَظ في هذه “التقسيمة” الجديدة أنها لا تمثل اصطفافا علمانيا في مواجهة اصطفاف إسلامي كما كان الوضع من قبل، حيث ضمت قائمتا المُوقعين والمعترضين مكونات علمانية وأخرى إسلامية، وهذه خطوة متقدمة باتجاه إنهاء حالة الاستقطاب العلماني الإسلامي التي استغلها العسكر لتعطيل مسيرة الثورة خلال السنوات الأربع الماضية.

نهاية الحكم العسكري

بعيدا عن المؤيدين والمعارضين، فإن الاتفاق شمل أيضا جملة من البنود المهمة التي تضع (نظريا) نهاية للحكم العسكري، وتؤسس لحكم مدني كامل، تكون له الولاية على المكون العسكري، وقد أعلن كل من القائد العام للجيش الفريق عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) احترامهما لهذه التسوية، بل إن البرهان هتف أثناء كلمته “العسكر للثكنات والأحزاب للانتخابات” وهو شعار رفعته القوى المدنية من قبل، لكنه يكتسب قيمة خاصة حين يهتف به قائد الجيش والقائد الحالي للبلاد، ولو صدق في تنفيذ هذا الوعد فإنه سيقدم أنموذجا راقيا في الانتقال السلس من الحكم العسكري إلى الحكم المدني.

لقد تضمّن الاتفاق جملة من البنود الجيدة تحدد طبيعة القوات المسلحة ودورها واختصاصاتها وعلاقتها بالحكومة المدنية، فهي مؤسسة نظامية قومية احترافية غير حزبية، تضطلع بواجب حماية الوطن ووحدته وسيادته والحفاظ على أمنه وسلامة أراضيه وحدوده، ويكون لها عقيدة عسكرية تلتزم بالنظام الدستوري وبالقانون وتقر بالنظام المدني الديمقراطي أساسا للحكم، وهي تخضع لمؤسسات السلطة الانتقالية ولا تُستخدم ضد الشعب السوداني، ولا تتدخل في الشؤون السياسية، ويحظر عليها مزاولة الأعمال الاستثمارية والتجارية ما عدا تلك التي تتعلق بالتصنيع الحربي والمهمات العسكرية وفقا للسياسة التي تضعها الحكومة الانتقالية، وتؤول لوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي جميع الشركات الحكومية والمملوكة للقوات النظامية المختلفة وجهاز المخابرات، والتي تعمل في قطاعات مدنية، وتخضع بقية الشركات المملوكة للقوات النظامية التي تعمل في قطاعات عسكرية وأمنية لإشراف وسلطة رقابة وزارة المالية في الجوانب المالية والمحاسبية وسلطة ديوان المراجعة القومي، وتكون مهام القوات المسلحة في الفترة الانتقالية إضافة إلي ما ورد في قانونها هي: الالتزام بالنظام الدستوري، واحترام سيادة القانون والحكومة المدنية الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسيادة البلاد وحماية حدودها أمام أي عدوان خارجي، واحترام إرادة الشعب السوداني في حكومة مدنية تعددية ديمقراطية والعمل تحت إمرتها، وتنفيذ السياسات المتعلقة بالإصلاح الأمني والعسكري وفق خطة الحكومة الانتقالية وصولا إلى جيش قومي مهني احترافي واحد.

4 تحديات أمام الاتفاق

تواجه الاتفاق الحالي 4 تحديات كبرى أولها سيظهر عند تنفيذ بنوده، حيث ينص الاتفاق على التشاور والتوافق على كل المناصب بدءا من رأس الدولة ورئيس الحكومة والوزراء وحكام وحكومات الأقاليم، وهذا التوافق قد يكون الصخرة التي يتحطم عليها كل شيء، وقد استغل المكون العسكري عدم القدرة على التوافق بين القوى المدنية من قبل ذريعة لانقلاب 25 أكتوبر 2021.

التحدي الثاني هو رفض نصف القوى السياسية والمجتمعية تقريبا للاتفاق، بما يعني أن هذه القوى ستظل معارضة له ولمساراته حتى تسقطه حسب ما أعلن العديد من قادتها، وهذه قوى ليست هامشية في المشهد السياسي والاجتماعي السوداني.

التحدي الثالث هو احتمالات العودة إلى العمل المسلح لبعض الحركات الرافضة للاتفاق، وبعض القوى المجتمعية التي تستشعر غبنا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا في الشرق أو الغرب.

التحدي الرابع والأخطر هو انفجار الخلاف بين قائد الجيش الفريق البرهان ونائبه حميدتي، وهو خلاف موجود بالفعل، حيث يرغب كلا الرجلين في حكم السودان، وحيث لا تزال قوات الدعم السريع ذات وضع خاص بعيدا عن منظومة القوات المسلحة الواحدة، ورغم أن الاتفاق تحدّث عن دمجها في الجيش إلا انه لم يحدد مدة واضحة، واكتفى بالإشارة إلى الجداول الزمنية المتفق عليها التي لا يعرف عنها الشعب شيئا، كما أن الغريب أن الاتفاق الذي حرم الجيش والمخابرات والأمن من العمل الاقتصادي لم يحرم قوات الدعم السريع من ذلك، وكلا الجنرالين تمكن خلال الفترة الماضية من تكوين جبهة داعمة له، في انتظار انطلاق أول رصاصة بينهما.

يبقى الاتفاق السياسي مجرد حبر على ورق حتى تبدأ خطوات التنفيذ، ويبقى الاتفاق على المحك في انتظار التعامل مع التحديات الأربعة السابقة، وقدرة مُوقعي البيان على جذب بقية الأطراف المعترضة، بعد تقديم التطمينات الكافية لها، وتبقى النقلة الكبرى هي انسحاب الجيش من السياسة ليقدّم بذلك نموذجا يُحتذى في المنطقة.. أفلح إن صدق.

المصدر : الجزيرة مباشر