صلاح سليمان يكتب من ألمانيا: ماذا يريد “مواطنو الرايخ”؟!

ما الذي دفع الحركة إلى استعادة نشاطها الآن؟ وما الذي أخاف السلطات الألمانية منها رغم أنها تحت الرصد؟

أجرى 3000 ضابط أمن عمليات تفتيش لمنازل ومكاتب المشتبه فيهم، وصادرت السلطات العديد من الوثائق والأجهزة الإلكترونية

يريدون إسقاط الدولة الألمانية، ولا يعترفون بالمؤسسات الرسمية للدولة، ويجتمعون بشكل سري، ولا يحتفظون بهوياتهم الرسمية أو جوازات سفرهم، ويحملون بدلا عنها “وثائق غير رسمية” يطلقون عليها اسم “هوية مواطني الرايخ”. وكانوا يستعدون لمداهمة البوندستاغ والاستيلاء على السلطة وإحياء الإمبراطورية الألمانية من جديد وفق بيان وزارة العدل.

التخطيط لانقلاب مسلح

يقظة السلطات الألمانية وتحركها السريع صباح اليوم، وقيام أكثر من ثلاثة آلاف شرطي بمداهمة مقرات ومنازل قيادة الحركة الإرهابية لمنعهم من تنفيذ مخططهم.

لكن ما الذي دفع الحركة إلى استعادة نشاطها الآن؟ وما الذي أخاف السلطات الألمانية منها رغم أنها تحت الرصد؟

أصبح واضحا أن الجماعات اليمينية المتطرفة بشكل عام في ألمانيا، بدأت تنشط مستغلة أزمة الكورونا، وأزمة الحرب الأوكرانية التي دفعت الناس إلى التذمر بسبب ارتفاع الأسعار، والنقص في مواد الطاقة، إضافة إلى تفاقم أزمة الهجرة غير الشرعية. فهذه كلها أسباب أعادت هذه الحركات إلى إعادة نشاطها لعداء الدولة تحت ذريعة أن ألمانيا تتعرض لمؤامرة، مما أصبح يشكل تحديا كبيرا فعلا للحكومة الألمانية، وهو الذي عجل بقرارها التخلص من خطر تلك الحركات في ظل الأزمة الدولية الحالية.

كان واضحا في بيان وزير العدل الألماني “ماركو بوشمان” بما لا يدع مجالا للشك أن هذه الجماعة تشكل خطرا على الحياة الديمقراطية في ألمانيا، فقد تم وصفها في البيان بـ”الجماعة الإرهابية”، ومعروف أن ألمانيا حذرة في استخدام مثل هذه التوصيفات. لكن تقريرا عن أعداء الدولة الألمانية نشره مكتب الشرطة الجنائية الفدرالية في منتصف مايو 2022، كان قد أكد أن حركة “مواطني الرايخ” أصبحت أكثر شعبية لأول مرة، وأن خطر الهجوم المسلح على مؤسسات الدولة الدستورية ليس مستبعدا.

الفرق المسلحة مستعدة للصراع الدموي

إن أخطر ما يتميز به “مواطنو الرايخ” ليس هو عدم اعترافهم بالدولة وقوانينها فقط، وإنما إيمانهم بالصراع المسلح مع الدولة لفرض سيطرتهم. لقد تسبب ذلك في مقتل أحد ضباط القوات الخاصة الألمانية على يد واحد من تلك الجماعة، مما دفع السلطات الألمانية إلى  أخذ الحذر من الذراع المسلح في هذه الجماعة.

ووفق الاستخبارات العسكرية الألمانية فإنها رصدت تحرّك عسكريين من الاحتياط في الجيش الألماني، وأحد الجنود في الجيش النظامي، منضمين إلى الجماعة، وتم توقيفهم وهم قيد التحقيق الآن. وكانت صحيفة “فوكوس” قد أشارت إلى تقرير سري بعنوان “مواطني الرايخ المنفصلين” ذكرت فيه أن المحققين الألمان ينسبون حتى الآن إلى هذه الحركة نحو 13 ألف جريمة، من بينها 750 جريمة عنف، وأكثر من 700 جريمة موجهة ضد موظفين حكوميين في الدولة.

لكن هل فعلا يمكن أن تشكل هذه الجماعات اليمينية المتطرفة خطرا حقيقيا على الدولة الألمانية؟

مما لا شك فيه أن من أهم أسباب تنامي هذه الجماعات، النزعة القومية لدى بعض الألمان، والأثر الكبير الذي تركه استقبال أعداد كبيرة من المهاجرين عند بعضهم. ثم إن الحديث عن فرق مسلحة في تلك الجماعات يمكن أن يتسبب في حرب أهلية بالنظر إلى أعداد المهاجرين الكبيرة في ألمانيا. ومعروف أن حركة أو خلية “تسفيكاو” النازية المتطرفة التي تم ضبطها قبل عدة سنوات كانت قد تورطت في قتل ثمانية أتراك ويوناني وشرطية بدافع الكراهية وعداء الأجانب.

الدولة تراقب ونشاط الكراهية يتزايد

لكن ليست هذه هي المرة الأولى التي تداهم فيها السلطات الألمانية مقرات “مواطني الرايخ”، فقد سبقت ذلك في عام 2017 عندما داهمت مقراتهم أيضا وألقت القبض على عدد كبير منهم، لكن لم يكن بينهم وقتها عسكريون خدموا في الجيش مثل هذه المرة، وهذا ما يطرح سؤالا حول الأذرع العسكرية وما يمكن أن تقوم به من انقلاب مسلح إذا سمحت لهم الظروف بذلك!

إنهم شديدو الإيمان بالنازية الهتلرية التي تقوم على مبدأ عسكرة الحياة المدنية في كل القطاعات، ولا مانع لديهم من سقوط قتلى في حالة قيامهم بالاعتداء المسلح على البرلمان ومؤسسات الدولة كما أفادت تقارير الاستخبارات.

إن تفكيك مثل هذه الجماعات الخطيرة الآن هو أمر يحسب للدولة لأن تركهم سيغذي الكراهية والعنصرية في المجتمع، فحركة “بيجيدا” التي تأسست عام 2014 في مدينة دريسدن بولاية سكسونيا شرقي ألمانيا، تخصصت في عداء الإسلام والمسلمين ووجود الأجانب في ألمانيا. وراحت تحتج بشكل منتظم أسبوعيا، وقد بلغت هذه الاحتجاجات ذروتها مع تدفق سيل اللاجئين السوريين إلى ألمانيا عام 2015، وتسببت في مخاوف كبيرة للجالية الإسلامية التي لم تجد أي مبرر لرفع وتيرة العداء لها بسبب العقيدة، بل ساهمت “بيجيدا” كذلك في تدعيم ظاهرة الإسلاموفوبيا لدى قطاع كبير من الألمان، وكان ذلك أحد دوافع حركة “مواطني الرايخ” إلى حمل السلاح.

حلم عودة الإمبراطورية الألمانية

بشكل عام المتطرفون اليمنيون في ألمانيا هم منظمون، وظهورهم قديم يعود إلى نفس العام الذي سقطت فيه ألمانيا 1945؛ إذ تأسست منظمات سرية عديدة كانت تأمل عودة الرايخ الألماني، بل وفي زمن الديمقراطية التي سادت في ألمانيا بعد انتهاء الحرب، تأسست أيضا أحزاب مثل حزب الرايخ الاشتراكي في 1949 حتى تم حظره عام 1952، كما تأسس حزب NPD وأعقبته منظمات مثل “مواطني الرايخ”، وكلها كانت تهدف إلى استعادة قدرة الرايخ الألماني على العمل في تلك الأحزاب والمنظمات، ومن ثم المطالبة بعودة الإمبراطورية الألمانية من جديد.

المصدر : الجزيرة مباشر