شروق الشمس وغروب التطبيع.. رسائل الجغرافيا العمانية

اجتماع مجلس الشورى في سلطنة عمان

 

 

بمجرد أن بثت وكالات الأنباء العالمية خبرًا يتعلق بإعلان مجلس الشورى العماني مناقشة قضية العلاقات مع إسرائيل، وتعديل قانون المقاطعة الصادر في هذا الشأن منذ عام 1972، تحت عنوان (قانون مقاطعة إسرائيل)، بتوقيع السلطان الراحل قابوس بن سعيد، الذي يحظر التعامل مع دولة الاحتلال، اتجهت التحليلات والتكهنات فورًا إلى أن الهدف هو إلغاء هذا القانون، امتدادًا لسلسلة التنازلات العربية في هذا الشأن، على الرغم من أن شيئًا لم يتغير فيما يتعلق باحتلال الأراضي العربية، ولا بممارسات القتل اليومية تجاه الشعب الفلسطيني.

إسرائيل أيضًا كانت قد أعلنت ذلك، وقال الياف بنيامين رئيس قسم شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية: إن سلطنة عمان قد تكون الدولة التالية لتطبيع العلاقات، في إشارة إلى اتفاق التطبيع الإماراتي-الإسرائيلي في أغسطس 2020، برعاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والاتفاق البحريني-الإسرائيلي في سبتمبر من العام نفسه، ثم في أكتوبر مع السودان، وفي ديسمبر مع المغرب.

بما لا تشتهي سفن التطبيع:

المفاجأة أن الرياح جاءت بما لا تشتهي سفن التطبيع الإسرائيلية والعربية في آن واحد، جاءت على خلاف التوقعات كلها، مناقشات مجلس الشورى العماني التي حظيت بالإجماع الاثنين الماضي، وأحالها إلى اللجنة التشريعية والقانونية لاستيفاء الجوانب الإجرائية قبل الموافقة النهائية، تقضي (بتوسيع دائرة حظر العلاقات مع إسرائيل في جميع المجالات، لتشمل تجريم أي اتصالات شخصية، أو عبر الإنترنت، إضافة إلى حظر الروابط الرياضية والثقافية والاقتصادية)، وهو الأمر الذي تفاعل معه الشعب العماني بابتهاج، كونه يساير توجهات الشعوب العربية، التي باتت كاشفة واضحة خلال مونديال العالم في قطر.

صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية كانت قد نقلت عن وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، أن بلاده أول دولة خليجية تدعم السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، مؤكدًا أن عمان لن تنضم إلى اتفاقية (أبراهام)، وأنها تفضل المبادرات التي تدعم الشعب الفلسطيني نحو تسوية نهائية وعادلة على أساس حل الدولتين، وهو الموقف الذي اعتمد عليه القانون الجديد لمجلس الشورى، الذي أجهض المحاولات الإسرائيلية الدؤوبة لفتح المجال الجوي العماني أمام الطيران المدني الإسرائيلي.

بدا واضحًا أن هذا الإجراء العماني المثير للانتباه، جاء ردّ فعل لممارسات أو لأحداث على أرض الواقع، ربما تعلق بعضها بسلوكيات المطبعين من دول الجوار، وما إذا كان قد تم استخدام الأراضي والشركات العمانية، أو المواطنين العمانيين وتقنية الإنترنت، في هذا الصدد، مما حدا بسبعة أعضاء من مجلس الشورى إلى المسارعة بتقديم هذا القانون، على الرغم من أن القانون السابق، رقم 9 الصادر عام 1972، كان حاسمًا، حيث كان (يحظر على كل شخص طبيعي أو اعتباري أن يعقد بالذات أو بالواسطة اتفاقًا مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها أينما أقاموا وذلك متى كان محل الاتفاق صفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر أيًا كانت طبيعته).

توسيع دائرة المشاركة والحريات

على أي حال، الإجراء العماني جاء في اليوم التالي مباشرة لإعلان نتائج الانتخابات البلدية هناك، والتي تأتي كإجراء ديمقراطي يتعلق بتوسيع دائرة المشاركة والحريات، وهي الانتخابات التي أجريت في أنحاء السلطنة، عبر تطبيق (انتخب) وهو نظام إلكتروني شارك من خلاله الناخبون بالتصويت عن بعد، من منازلهم، ومن هواتفهم لأول مرة بالعالم العربي، في إشارة إلى مرحلة جديدة من بناء الدولة الإلكترونية، بالتزامن مع المسار المفاجئ على المستوى السياسي، في ظل قيادة السلطان هيثم بن طارق، الذي حرص منذ تنصيبه في مطلع عام 2020 على أن تظل بلاده واحة استقرار وأمن في المنطقة، وهي القواعد التي توارثها العمانيون.

ربما لا يعلم البعض، أن سلطنة عمان، أو ما كان يطلق عليها في السابق، ساحل عمان، فلكيًا: هو أول بقعة في الوطن العربي تشرق عليها الشمس بصفة يومية، بحكم الجغرافيا وخطوط الطول العرض، لذا كان من الطبيعي أن تكون المواقف العمانية سياسيًا، متصدرة ومتفردة، تكتب التاريخ كما هو واضح، ذلك أنها كانت خلال حكم السلطان الراحل قابوس بن سعيد الوحيدة من بين الدول العربية، التي ظلت علاقاتها قائمة مع مصر لم تنقطع، في أعقاب اتفاقيات كامب ديفيد، لأسباب تتعلق ببعد نظر السلطان، رغم ما واكب ذلك من تهديدات من بعض دول الرفض، وها هي الآن تتصدر رفض التطبيع في زمن الهرولة والانكسار.

رسالة إلى العواصم العربية كلها

أعتقد أننا أمام رسالة عمانية خالصة، من أقصى الخليج العربي، إلى أقصى المحيط الأطلنطي، رسالة إلى العواصم العربية كلها، مؤداها أن رغبات الشعوب هي الأصل في أي حكم رشيد، وأن ما يجري الآن من هرولة نحو التطبيع مع عدو لا يخفي مخططاته الاستعمارية، إنما هو ضرب من الافتئات والقفز على إرادة الشعوب، على حساب الحقوق العربية والمقدسات الإسلامية، لحساب مصالح آنية تتعلق في معظمها برضا العم سام، رغم أن هذه المصالح ثبت هزالها على الأصعدة جميعها، أمام هبّات الشعوب من آن لآخر.

آمل في أن تتبع الخطوة أو المبادرة العمانية، مبادرات أخرى في عواصم مختلفة، مع ملاحظة أن التوجه العماني لم يلق الاهتمام الإعلامي العربي المنشود، لأسباب ربما تتعلق بالخجل في المقام الأول، على الرغم من أنه كان يجب أن يلقى ترحيبًا في الوقت نفسه على مستوى جامعة الدول العربية، ولو ببيان من الأمين العام، إلا أن أسباب عدم الترحيب هي الأخرى ليست خافية، في ظل حالة واضحة من الانبطاح والاضمحلال العربي في آن واحد، إلا أن هذا الموقف العماني سوف يحرك بالتأكيد المياه الراكدة، أو على أقل تقدير يمكن أن يوقف حالة التنازلات بلا مقابل، في وقت لم يعد من الحكمة فيه استبعاد الشعوب من المعادلة، أي معادلة.

المصدر : الجزيرة مباشر