ناصر 56.. تأميم دولة القناة.. سلّم نفسك يا جمال

الفنان أحمد زكي والسيدة جيهان السادات في العرض الأول لفيلم (أيام السادات)

 

 

انفعل صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة في الاجتماع الذي عقده المجلس مع بدء العدوان الثلاثي على مصر عقب قرارها بتأميم قناة السويس مطالبا جمال عبد الناصر بتسليم نفسه للسفارة البريطانية، كان اعتقاد سالم أن بريطانيا وفرنسا في عداء شخصي مع ناصر، فقد أنهت ثورة يوليو الاحتلال البريطاني لمصر، وأنهى تأميم القناة الدولة الثانية الفرنسية على أرض مصر.

هذا المشهد ربما يكون حدثا واقعيا، لكنه جاء مشهدا دراميا في فيلم (ناصر 56) تأليف الكاتب المصري محفوظ عبد الرحمن، وهو واحد من كبار كتاب الدراما التاريخية في مصر والعالم العربي، وإخراج محمد فاضل أحد مؤسسي الدراما التلفزيونية في مصر، وبطولة المتقمص الأشهر في تاريخ السينما المصرية أحمد زكي، ومن إنتاج قطاع الإنتاج بالتلفزيون المصري عام 1996.

فيلم (ناصر 56) واحد من ثلاثة أفلام أنتجتها مصر عن تأميم قناة السويس، أولها كان فيلم (بورسعيد) وهو أسرع فيلم عن التأميم والعدوان الثلاثي وأُنتج أوائل عام 1957، ويتناول الفيلم المقاومة الشعبية في بورسعيد، وشارك فيه عدد ضخم من الممثلين ومن إخراج عز الدين ذو الفقار، أما الفيلم الثالث فكان (عمالقة البحار) عن قصة حقيقية لأبطال البحرية المصرية وهي معركة البرلس البحرية، تلك المعركة التي استشهد فيها عدد كبير من ضباط البحرية المصرية في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1956.

الفيلم إنتاج 1960، تأليف كمال الديدي وكتب له السيناريو وأخرجه السيد بدير، وتمثيل أحمد مظهر ونادية لطفي.

أسئلة فيلم ناصر

يطرح المشهد السابق لصلاح سالم وجمال عبد الناصر أحيانا سؤال: هل كانت أزمة بريطانيا وفرنسا وأمريكا والكيان الصهيوني مع شخص جمال عبد الناصر فعلا؟ ماذا لو كان الرئيس رجلا مطيعا للغرب وقواه المسيطرة على الأمة العربية والشرق؟ هل كان البنك الدولي لا يدينه بـ200 مليون دولار لبناء السد؟ بل هل كان سيفكر في بناء السد؟ إذا كان الرئيس البديل مطيعا فلا نظن أن أي قوى استعمارية قديمة مثل بريطانيا وفرنسا، أو حديثة مثل أمريكا أو إسرائيل، ستكون بحاجة إلى كل ما حدث في 1956، أو حتى في 1967.

هل كانت أزمة أمريكا ودول العدوان الثلاثي في اسم ناصر، لو كان مثلا اسمه أحمد أو فؤاد ويحمل المشروع نفسه، بناء السد، تأميم قناة السويس، التصنيع، الوحدة العربية، القضية الفلسطينية، التعليم، العدالة الاجتماعية، وعدم الانحياز، هل كانت تلك الدول ستساعده؟

بعيدا عن الأسئلة السياسية ومناقشة هل كانت فرنسا ستسلم القناة في عام 1968، وهي أسئلة كثيرة طرحها الفيلم الذي كتبه محفوظ عبد الرحمن بشاعرية كبيرة وإنسانية عالية.

استطاع محمد فاضل أن يقدّم وثيقة تاريخية لأهم أسبوعين مرا على مصر منذ رفض البنك الدولي تمويل مشروع السد وحتى بدء العدوان الثلاثي وخطاب عبد الناصر في الأزهر، وبأداء ممتع لفريق العمل وعلى رأسهم أحمد زكي، والموسيقار ياسر عبد الرحمن الذي قام بتأليف الموسيقى التصويرية، وقدّم عملا موسيقيا فريدا، إلا أنني كثيرا ما تساءلت: هل يجازف محفوظ عبد الرحمن بتاريخه ليقدّم عملا غير دقيق محبة في رجل رحل منذ 36 عاما عند إنتاج الفيلم؟ لا أظن.

مشاهد لا تنسى في الفيلم

ثلاثة مشاهد إنسانية في فيلم عبد الرحمن- فاضل لا تمحى من ذاكرة المشاهد، كل مشهد كان له دلالة تاريخية خاصة، ليس أهمها المشهد الوحيد الذي أدته الفنانة الكبيرة الرائدة أمينة رزق، وقد عدّه بعض النقاد من أهم مشاهد السينما المصرية، إذ قدّمت دور حفيدة قرني الكحال أحد الآلاف الذين ماتوا في حفر قناة السويس، ذهب الرجل ولم يعد سوى ردائه، الذي توارثته الأجيال لمدة مائة عام، وعندما أمّم جمال عبد الناصر قناة السويس، جاءت غنيمة أحمد الكحال (أم مصطفى) لتسلّم ثوب جدها إلى الرجل الذي أخذ بثأر من ماتوا سخرة في حفرها.

المشهد الثاني في الفيلم كان للفنان حسن حسني، الذي أدى دور المواطن حامد عدلي الجميل -موظف في شركة القناة فُصل من عمله- عندما طلب أن يدخل الموظفون المصريون نادي القناة مثل الأجانب، فقيل له إن القناة ليست مصر، وفي المشهد الأول له يمازحه ناصر قائلا “طيّب ما تيجي تشتغل عندنا في مصر”، فيتساءل الرجل “أمّال إحنا فين؟”. وفي لقطة أخرى، يقول حامد عدلي الجميل في دلالة على أن قناة السويس كانت دولة داخل الدولة “قعدت أدوّر على السفارة المصرية في بورسعيد ما لقتها”.

المشهد الثالث مشهد التليفون الخطأ الذي وصل إلى منزل الرئيس، وكان على الطرف الآخر للهاتف صوت امرأة تدعى أم ياسين تسأل عن ابنها ياسين عند الحاج مصطفى، فيرد عليها الرئيس “النمرة غلط يا حاجّة”. وفي المرة الثالثة تسأله المرأة “أمّال إنت مين يا ابني؟”، فيرد “جمال عبد الناصر”، فتقول “ربنا ينصرك يا ابني”. كان الصوت على الطرف الآخر من أداء الراقية الكبيرة عزيزة حلمي، بما يحمله هذا الصوت من رقة وعذوبة وحنان.

فيلم (ناصر 56) يستكمل ثلاثية أفلام قناة السويس والقرار والتضحيات، وفي كل مشهد من مشاهد الفيلم تُطرح عليك مئات الأسئلة عن القناة والقرار والمشروع والشخصيات والحالة العامة للوطن، في لحظة تاريخية يمتزج فيها الواقع مع الخيال، مع إبداع نصي وموسيقي، وأداء فني عالي المستوى.

مع أحمد زكي

أذكر أنني حضرت العرض الأول للفيلم في افتتاح مهرجان الإذاعة والتلفزيون بقاعة المؤتمرات في مدينة نصر، كان الازدحام شديدا حتى أن معظم الحاضرين كانوا وقوفا في القاعة الممتلئة، وبمجرد ظهور أحمد زكي في أول مشاهد الفيلم، ضجت القاعة بالتصفيق المتواصل لمدة دقائق، وبعد الفيلم قوبل زكي وفريق العمل بعاصفة من التصفيق، لقد شعر الجميع أنهم أمام ناصر حيّا، فكان قمة الأداء لزكي أو الحنين لناصر.

واقعة أخرى أتذكرها لأحمد زكي الذي التقيت به مرات ثلاث خلال عملي في ماسبيرو، وكانت في مدينة الإنتاج الإعلامي عام 2001، وكان افتتاح مهرجان الإذاعة والتلفزيون أيضا، لكن هذه المرة كان فيلم الافتتاح (أيام السادات) من إخراج محمد خان، وقوبل الفيلم وأحمد زكي هذه المرة بعاصفة من الاستهجان.

يبدو أن الجمهور الذي شاهد زكي وهو يتقمص شخصية ناصر لم يستوعب أنه ممثل يمكن أن يؤدي أيضا شخصية أنور السادات التي يؤمن الجميع أنها عكس شخصية جمال عبد الناصر، خرج زكي من قاعة العرض حزينا وحيدا ورأيته يهرول إلى سيارته.

أسرعت خلفه واستوقفته، وشددت على يده قائلا له “إنك أديت دورا كما ينبغي”. وقف زكي مستمعا لكلمات شعر أنها مجاملة، لكنني شعرت أن الجمهور ظلمه، وتركت أحمد زكي ليدخل سيارته وكان محملا بجبل ضخم من الحزن، هذا هو الجمهور، قد يحملك يوما إلى عنان السماء، ويهبط بك يوما آخر إلى الأرض، سياسيا كنت أم فنانا.

المصدر : الجزيرة مباشر