صندوق قناة السويس.. وأزمة الثقة في الخطاب الرسمي!

ناقلة حاويات تمر عبر قناة السويس (رويترز)

 

العدالة قبل الأمن، فهى الضمان الأكيد لبقاء الدول والمجتمعات واستقرارهما، وعدم تعرّضهما للاهتزاز.

والثقة هى القيمة العليا في تعاملات الأفراد مع بعضهم بعضا، وفي بناء علاقة آمنة، لا تساورها الشكوك، بينهم وبين سلطة الحكم في بلادهم، وفي تدعيم كيانات ووجود دولهم.

كيف تتحقق العدالة، ويرتفع جدار الثقة في الأوطان؟

لا يكون ذلك بغير شفافية سلطة الحكم ونزاهتها ومسؤوليتها، وهذا لا يتحقق بغير نظام سياسي يكون تحت رقابة الشعب وقواه الناعمة، قبل رقابة المؤسسات والأجهزة المعنية، وهذا لا يتم إلا بأن يكون جوهر نظام الحكم هو الإرادة الشعبية الحرة في الاختيار والتغيير وفق آليات سياسية سلمية ديمقراطية تستند إلى دستور يلتزم بمبادئ السيادة للشعب قولا وفعلا، والحريات العامة والفردية، والفصل بين السلطات، وهذا لن يكون بدون الاحترام المطلق للدستور، والتطبيق الأمين لدولة القانون.

السلطة والمصداقية

أتصور أن هذا التأسيس مهم لتبيان أهمية قيمة الثقة، خاصة في العلاقة بين الفرد والسلطة، الثقة المتبادلة من الاتجاهين، وإن كنت أتشدد في ضرورة أن تكون السلطة نموذجا ثابتا في الموثوقية، وأن تقدّم دوما البراهين الملموسة في الممارسات اليومية على كونها مصدر ثقة وصاحبة مصداقية وعنوانا للصراحة وصفحة بيضاء في الوضوح، وأن تقدّم خلال أفعالها كل أدلة الاطمئنان على صدق ما تقوله وتعلنه وتصرح به، وأن تكون أفكار المراوغة والتلاعب بالحقيقة والتضليل والكذب والغموض والتعتيم والسرية والمفاجآت الصادمة مستبعدة تماما، بل غير موجودة في فلسفة الحكم وعقله وتفكيره.

قيمة الثقة وتعديلات قانون قناة السويس

ماذا في هذا السياق عن القضية التي لا تزال تشغل بال الناس في مصر، ولم تُغلق صفحتها بعد، وتتعلق بتعديلات قانون هيئة قناة السويس، وهي قضية أخرى ترتبط بشكل مباشر بقيمة الثقة موضوع هذا المقال؟

تقديري أن هناك مشكلة بشأن مسألة الثقة، لا أدري إن كانت سلطة الحكم تشعر بذلك أم لا، والشكوك التي تحاصر قيمة ومعنى الثقة وممارسات السلطة العملية بشأن هذه الثقة تسهم في تصدع جدار التعامل بينها وبين الناس.

جانب مما يصدر عن السلطة يتم التعامل معه في إطار من الريبة، وعدم التصديق الفوري، ولهذا تتعدد التفسيرات وتتزايد الاحتمالات في مختلف الموضوعات، وقد تذهب الأفكار والتفسيرات أحيانا في طرق ومسارات وعرة من الظنون والشكوك الكثيفة، وإذا أعلنت السلطة الحقيقة من نفسها أو تحت ضغوط الرأي العام يظل هناك فريق أو فِرق من الناس تصم آذانها وتغلق عيونها وترفض فتح نافذة في عقلها للاستقبال الحسن لما تقوله.

إشكالية صندوق القناة

لست معنيا هنا بشكل أساسي بتفاصيل تعديلات قانون هيئة قناة السويس، فقد قيل الكثير فيه، خاصة البند الإشكالي رقم 3 في المادة (15 مكرر- ب) المضافة إلى مشروع التعديلات، بشأن أهداف الصندوق، وتتعلق بـ (شراء وبيع وتأجير واستئجار واستغلال أصوله الثابتة والمنقولة والانتفاع بها)، أي أصول الصندوق المزمع تأسيسه.

وكان الفضل مرة جديدة لمواقع التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك، في التناول الواسع المرتبط بالتحذير الشديد من هذه النقطة ومخاطرها في أن تكون نافذة للتفريط في قناة السويس أو أصول خاصة بها أو تسلل أطراف أجنبية إليها بالشراء أو الامتلاك أو استبدال ديون بأصول وشركات تابعة للقناة، وغيرها من المخاوف المشروعة في القناة المخلوط رمالها ومياهها وكل شبر فيها وحولها بعَرَق المصريين ودمائهم منذ أول ضربة فأس في حفرها حتى اليوم.

نقاش فيسبوك دفع السلطة إلى التصريح والتوضيح عبر بيانات ومؤتمرات صحفية ولقاءات إعلامية، لتهدئة الرأي العام، وتأكيد أن نشاط الصندوق لن يمس القناة وملكيتها وأصولها والسيادة الوطنية المحسومة عليها.

وهنا تظهر أزمة الثقة في هذه القضية، كما ظهرت في قضايا قبلها، ليس خلال العهد الحالي فقط، إنما في كل العهود منذ إعلان الجمهورية.

(أكبر أزمة ثقة هى حرب 1967 وما سبقها ورافقها من خطاب سياسي وإعلامي خادع ومضلل وكاذب).

ضرورة ترميم جدار الثقة

وغياب قواعد بناء الثقة السبب الرئيسي في أن جدار هذه القيمة المهمة يتصدع ويتآكل، وأن ترميمه ضرورة قصوى، وتأخر هذا الترميم والتمتين يوسع الفجوة بين المواطن وحكومته وبين المجتمع ومن يقومون على إدارته، ويجعل قرارات وتصرفات رسمية محل شكوك تضر بالإدارة.

ورغم اجتهاد السلطة في بث رسائل طمأنة للرأي العام بشأن الصندوق الذي لن يكون وسيلة للمس بالقناة، فإن هناك من لا يزال يتصور أن الرسائل لا توفر طمأنة كاملة، وأن هناك مخاطر من وجود الصندوق، حتى لو كانت نياته وأهدافه حسنة تماما، فالعقل المتوجس يستدعي الديون الهائلة خلال حكم الخديوي إسماعيل وبيعه لأسهم مصر في القناة للدائنين لتسديد جانب منها، والديون المتزايدة حاليا تثير القلق من شبح الماضي والفزع من تكراره.

الديمقراطية وعيون الرقابة

هنا أصل المشكلة مع كل سلطات الحكم، وهي الثقة المهتزة، بسبب غياب قواعد الشفافية والصراحة والوضوح والمكاشفة، وتباطؤ آليات الرقابة الفعالة، خاصة الرقابة الشعبية ممثلة في ممارسة حرية الرأي والتعبير، وغياب الإعلام الحر المستقل، وتكبيل النقابات والجمعيات والتنظيمات الأهلية عن القيام بدورها في التفاعل مع قضايا المجتمع والوطن.

في أي نظام ديمقراطي، تكون عيون الرقابة -شعبية ورسمية- مفتوحة باتساع على السلطة، وتقوم المعارضة الحزبية بدورها السياسي في تعقب وتفنيد كل أعمالها، لهذا لن يكون بمقدور السلطة الإخفاء أو التعتيم أو الكذب، وستكون الثقة حاضرة في أدائها، لأنها ستُحاسَب فورا على أقوالها وأفعالها.

ضمن أسباب الإطاحة برئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون قبل أشهر هو الكذب على البرلمان والشعب.

وأخطر تهمة يواجهها مسؤول في نظام ديمقراطي هى الكذب على مواطنيه والمؤسسات، وفي غير الديمقراطيات فإن قائل الحقيقة قد يصبح مطارَدا أو متهَما.

المصدر : الجزيرة مباشر