براءةُ الإسلام من حرمان المرأةِ الذّهابَ إلى المدارس والجامعات

أفغانيات يعترضن على قرار طالبان بمنع التعليم الجامعي للنساء

 

 

عندما تقرّر طالبان منع الفتيات والشّابات من الذّهاب إلى المدارس والجامعات، فلا يجوز لها ولا لأحد من مسؤوليها أو مناصريها أو المدافعين عنها أن يدثّر هذه الخطيئة بثوب الإسلام والشريعة، فيقول: إنّنا بهذا القرار الكارثيّ نطبّق الشريعة الإسلاميّة، وكذلك فإنّه لا يجوز لأحد من منتقدي طالبان عند إعلان رفضه لهذا القرار أن يقول: هذا هو الإسلام، وهذه هي الشّريعة الإسلاميّة في تعاملها مع المرأة.

ليسَ منّةً بل هو حقّ مفروض

من باب تأكيد المؤكّدات، وعلى سبيل توضيح الواضحات في الشّريعة الإسلاميّة؛ إنّ الذّكر والأنثى في الإسلام متساويان في الكرامة الإنسانيّة وفي المهمّة والغاية من الخلق، وهي الخلافة في الأرض وعمارة الكون.

وحقّ المرأة في التّعليم ليس منّةً يمنحها لها الرّجل ويتفضّل به عليها أيًّا كان هذا الرّجل أبًا أو أخًا، حاكمًا أو قاضيًا، بل هو حقّ منحته الشريعة الغرّاء للمرأة، ولا يحقّ لأيّ أحد مهما كان موقعه أن يسلبها إيّاه.

ولا يخدعنّك أحد بقوله: لكنّ الأحكام الشّرعيّة قد جاءت للذّكور في كثير منها دون النّساء، فهذا ــ لعمري ـ جهل بأيسر قواعد اللّسان العربيّ؛ فقد اتّفق أهل اللغة العربية على تغليب استخدام صيغة التذكير عند اجتماع المذكّر والمؤنث؛ بمعنى أنّ الأحكام المذكورة بصيغة المذكّر إذا أُطْلِقَتْ دون ذِكر المؤنث، فإنّها تتناول الرّجال والنّساء، كما تدخل النساء في الجمع المضاف إلى: النّاس والأُمَّة والبَشر، وأدوات الشّرط، والمفرد الذي ليس له جَمع مِن جنسه مثل: الإنسان، فعن أمّ سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلّم- أنها قالت: كنت أسمع الناس يَذكرون الحوض، ولم أسمع ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلمّا كان يومًا من ذلك ــ والجارية تمشُطُني ـ فسمعت رسول الله يقول: “أيها الناس”، فقلتُ للجارية: استأخِري عنّي، قالت: إنّما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: إنّي من النّاس، فقال رسول الله: “إنّي لكم فَرَطٌ على الحوض…”، فقول أمّ سلمة: “إنّي من الناس” دليل على الفهم البديهيّ لاشتمال لفظ “النّاس” للرّجال والنساء.

بل إنّ البيان الإلهيّ والوقائع الثّابتة من السّيرة النبويّة تدلّ أيضًا على اختصاص المرأة بالتعلُّم والتّعليم، فالله -تعالى- يوجّه أمهات المؤمنين إلى أنْ يَنقلن العِلم كاملًا ــ قرآنًا وسُنَّةً وتشريعات ــ، وكيف يقمن بالتّعليم دون تعلُّمٍ قبله؟ فيقول تعالى: “وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚإِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا”.

وقد كانت المرأة في عصر النّبوّة تُسابق الرجال إلى حلقات العِلم، كَما شُوهِدَت وهي تجلس مجالس التّحديث والتعليم والإرشاد، فَفي صحيح البخاريّ عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: “جاءت امرأة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تُعَلِّمنا مما عَلَّمك الله، فقال: “اجتمِعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا”، فاجتمَعن فأتاهنّ رسول الله فَعَلَّمَهُنّ مما علَّمه الله”.

وأمّا المحاولات البائسة لإلصاق رفض تعليم البنات بأبي حنيفةَ النّعمان الذي أجاز للمرأة تولّي القضاء ــ فكيفَ تتولّاه دون أن تمرّ بمراحل تعليم طويل؟ــ والادّعاء أنّ كراهة تعليمها هو الأصل في المذهب الحنفيّ؛ فإنّه نقض هذه الدّعوى يكون بنموذجٍ واحدٍ لأهمّ المرجعيّات المعتمدة في الفتيا في المذهب الحنفي، وهو نموذج الفقيهة الحنفية فاطمة بنت الشيخ علاء الدّين السمرقندي صاحب “تُحفة الفقهاء”، حيث تزوَّجها تلميذ أبيها الشيخ علاء الدّين الكاساني صاحب “بدائع الصّنائع” الذي شرح فيه كتاب شيخه، فقالوا: “شرح تُحفته، وَزَوَّجه ابنته”، وكانت الفتوى تخرج وعليها خطّها ــ أي توقيعُهاــ وخطّ أبيها وخطّ زوجها.

ليس من الإسلام في شيء

في نقاش طريف يردّ الشّيخ محمّد رشيد رضا على ما تسرّب إلى بعض أهل الإسلام بفعل العادات المجتمعيّة المقيتة فتمّ إلباسُه ثوب الشّريعة؛ فيقول: “ولما كانت نصوص الكتاب والسنّة المادحة للعلم والمرغّبة فيه والحاثّة عليه، تشمل الرجال والنّساء ــ كما هي القاعدة الأصولية في الدّين الإسلامي ــ زعم بعض الفقهاء أنّ طلب العلم لا يشمل طلب الكتابة “الخطّ” ولا يقتضيه، ثم أوردوا أحاديث تدلّ على منع النساء من تعلّم الكتابة، ولما لم يعترف لهم المحدّثون بصحّة شيء منها رجعوا إلى قياسهم، فزعموا أنّ في تعلّمهن الكتابة مفاسد تقتضي كراهتها على الأقل، وقد أورد عليهم المعارضون حديث الشّفاء بنت عبد الله قالت: دخل علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- وأنا عند حفصة -رضي الله عنها- فقال لي: ألا تعلّمين هذه رُقية النّملة كما علّمتِيها الكتابة؟ رواه أحمد وأبو داود والنّسائي وأبو نعيم والطّبراني، ورجاله ثقات، وأجاب الشّيخ علي القاري بأنه يحتمل أن يكون جائزًا لنساء السّلف دون الخلف، لفساد النّسوان في هذا الزّمان، وهو كما ترى احتمال لا قيمة له، وقد تبع القاري في هذا أستاذه العلّامة ابن حجر، فإنّه قال بكراهة تعليمهنّ الكتابة في فتاواه الحديثية، محتجًّا بالأحاديث التي لا يصحّ الاحتجاج بها”.

نعم لقد تسربّت بفعل العادات المجتمعيّة وما فيها من رواسب جاهليّة تتعلّق بالمرأة بعض الأفكار التي أُلبِسَت ثوب الشّريعة زورًا وبهتانًا، واستندت إلى أحاديث مكذوبة اختلقها الوضّاعون لدغدغة عواطف الخاضعين لعاداتهم الجاهليّة، ومنها الحديث الموضوع “لا تُنزلوهنَّ الغُرَفَ ولا تُعلمُوهنَّ الكتابةَ وعلِّموهنَّ المِغْزَلَ وسورةَ النّورِ”.

وفي هذا يقول الشّيخ محمّد الغزالي: “إنّ المسلمين انحرفوا عن تعاليم دينهم في معاملة النّساء وشاعت بينهم روايات مظلمة وأحاديث موضوعة أو قريبة من الوضع انتهت بالمرأة المسلمة إلى الجّهل الطّامس والغفلة البعيدة عن الدّين والدّنيا معًا، كان تعليم المرأة معصية، وذهابها إلى المسجد محظورًا، وكان اطّلاعها على شؤون المسلمين أو انشغالها بحاضرهم ومستقبلهم شيئًا لا يخطر ببال! ثمّ يقول: لقد اختلقوا أحاديث تفرض الأميّة على النّساء، وصدّقهم المخدوعون فلم يفتحوا مدرسة للبنات، واختلقوا أحكامًا تمنع المرأة من ارتياد المساجد، ومضوا في جهالاتهم حتّى قَصَروا وظيفة المرأة دينًا ودنيا على الجانب الحيوانيّ وحده”.

إنّ كلّ قولٍ أو دعوى تمنع المرأة من التّعلُّم والتّعليم أو تحاول تسويغ إغلاق المدارس والجامعات في وجه الطّالبات تحت أيّة ذريعة كانت ليست من الإسلام في شيء أيًّا كان قائلها، فإن رأيتم من ظلم المرأة ومنعها حقّها في التّعليم جَورًا وتيهًا وخضوعًا لعادات مجتمعه الجاهليّة فلا تقبلوا منه شيئًا من ذلك ولا تسوّغوه له ولو كان يرفع الإسلام رايةً وشعارًا، فالإسلام بريء من هذا الظلم كلّه.

المصدر : الجزيرة مباشر