الأخوان بربروس.. الإيمان والتضحيات الكبرى

أم ناصر أبو حميد (وكالة الأناضول)

سيدة الدنيا في فلسطين المقاومة الصابرة الصامدة أم ناصر أبو حميد استشهد ابنها ناصر منذ أيام قليلة، والسيدة الفاضلة كان قد استشهد من قبل ابنها عبد المنعم ولديها أربعة أبناء آخرين في سجون الاحتلال الصهيوني محكوم عليهم بـ17مؤبدا، ولا تزال السيدة تخبأ أحزانها داخل قلبها الكبير وتبتسم للعالم مؤكدة نبل قضيتها وإيمانها بحقها وحق أجيال فلسطين المقبلة في الأرض، كل الأرض من البحر إلى النهر.

أم ناصر ليست وحدها في فلسطين، إنها نموذج لكل الأمهات في أرضنا المحتلة، سيدات الكون اللاتي يستقبلن استشهاد أبنائهن بزغاريد تملأ جوانب فلسطين وباحات الأقصى وشوارع غزة. وكثيرا ما أصابني الذهول من هذه القوة المذهلة التي يتحلى بها نساء وفتيات ورجال فلسطين، وكذلك شبابنا الواقف في مواجهة الآلة العسكرية الصهيونية الضخمة، وكل علامات الإعجاب لا تكفي لوصفهم، ويوميا ما تأتي الأخبار من الأرض الطاهرة باستشهاد شاب كان يواجه رتلا من أحدث أسلحة العصر التي تدعم بها القوى الغاشمة الكيان المحتلة، ويظل السؤال معي كيف يصمد هؤلاء؟ من أين يستمدون تلك القوة؟ وأسعى لامتلاك قوة إيمان مثيلة لما عندهم.

أثناء مشاهدة المسلسل التركي بربروس لم يغادرني السؤال، الرحلة الطويلة التي بدأها رجال قلائل من حلم ملكية قارب تجاري، يبدؤون في رحلة تصل إلى سيطرتهم على أهم مفتاح مائي في العالم ويفرضون السيطرة عليه، ثم يفرضون احترام العالم لهم وتخليدهم بوصفهم أصحاب رسالة وعلوم بحرية في كتب التاريخ، هؤلاء الذين يذكروننا بالفيلم الأمريكي “العظماء السبعة” الذي أنتجته السينما الأمريكية عام 1960، وقدمت منه نسخا عديدة عربية وأجنبية.

وطوال وقت المشاهدة التي امتدت 32 حلقة تلفزيونية، وأكثر من 70 ساعة درامية، ظللت أبحث عن السر، إنه الإيمان والرسالة التي حملها الأخوة بربروس أبناء يعقوب بن يوسف حاكم جزيرة ميدلي العثمانية (التركية)، إيمان بكون الإسلام رسالة عدل ونجاة للعالم، إيمان بالحق الذي يساعد المظلومين، ويعيد الحقوق لأصحابها، الإيمان بالوطن وأهمية أن يأخذ مكانته في العالم، انتماء للرسالة والأمة التي ينتمون لها، وفي سبيل هذه الرسالة كانت التضحيات الكبرى.

تضحيات ضخمة

امتدت سيطرة الأخوان عروج بربروس إلى جزر متعددة في البحر الأبيض، وفي مواجهة دييغو حاكم جزيرة جيجل الإسبانية الذي كان يلقب بسلطان المتوسط، وكان يشارك سلطان الجزائر سالم التومي في بيع المسلمين في الأندلس عبيدا، ولهذا خاض بربروس معركة لفتح جيجل والجزائر فتم له ذلك.

أثناء المعارك المتعددة للفتح أو محاولة دييغو إعادة احتلال جيجل فقد عروج زوجته (حسب أحداث المسلسل) وكذلك خير الدين بربروس (خضر)، لم يتوقف الاثنان عن معاركهما بل ازداد إصرارهما على الفتح، ثم فقدا أخاهما الأصغر إلياس وكانت ضربة قوية لهما، فقدان الزوجات والأخ السند الذي يقاتل معهما وزوجته، كل هذا في معركة واحدة، لم يستسلما للحزن، لم يتراجعا عن مشوارهما، وقد كان من الممكن أن يكتفيا بما حققاه من انتصارات وشهرة في عالم السيطرة على جزر كثيرة في المتوسط، لكن الأخوان بربروس كانا في مهمة أخلاقية ورسالة للعالم وإيمان بوطن له حق القوة.

كانت الضربة الأقوى لخير الدين بربروس هي استشهاد أخيه وقائده ومعلمه الأكبر عروس بربروس الذي أطلق عليه بربروس ذو اللحية الحمراء، ازدادت الأحزان والمصائب على خير الدين فقد في أيام أخويه وزوجاتهم وزوجته. وقع ذلك في وقت كانت الدولة العثمانية تستبدل سلطانها بيزيد بالسلطان سليم الأول، وفي وقت فقت فيه أحد أهم قادة البحرية العثمانية وهو الريس كمال. تجمعت كل الكوارث، ومع ذلك لم يتراجع خير الدين بربروس عن فتوحاته، واستمر حتى أصبح سلطان البحر الأبيض، وقائد البحرية العثمانية بأمر السلطان يافوز الأول (القاطع) سليم الأول.

هذه هي القوة الإيمانية التي امتلكها خير الدين بربروس ورفاقه القلائل الذين يبلغ عددهم 800 مقاتل ومعه الريس محيي الدين بيري صاحب الخرائط البحرية المعروف تاريخيا بصاحب كتاب (كتاب بحرية) الذي جمع فيه المخططات والتقنيات البحرية وخرائط للعالم، فقد كان بيري أول من رسم خريطة للعالم، وتم اكتشاف تلك الخريطة في قصر توب كابي عام 1929، بعد أربعة قرون من رسمها.

الخيانة من الداخل

كثيرا ما تعتمد القوى الطامعة في السيطرة على العالم وثرواته في طريقها للاستيلاء على الأوطان المستهدفة على جواسيس لها في داخل تلك الأوطان والأمم، والذين يخونون الوطن نوعان، أولهما سلطان ضعيف، طامع، يحكم بلاده بالحديد والنار، لا يهمه سوى ثراواته وأولاده، يفرض جبايات على شعبه، ضرائب ورسوما (مكوسا)، ويستمد قوته من أعداء شعبه، يتاجر معهم ليكون ثروات، لا يهمه وطن ولا عقيدة ولا شعب ولا أمن بلاده، حتى لو وصل به الأمر إلى كراهية شعبه أو بيعه في سوء العبيد.

لم تكن خيانة الأخوة بربروس في جيجل الأولى، وهي الخيانة التي كان رأسها سليم التومي سلطان الجزائر الذي كان يعتدي على المسلمين ويشارك القراصنة ودييغو حاكم جيجل في بيعهم عبيدًا، لا يهمه الشعب الذي يئن من الضرائب، بل الأهم أن يبقى سلطانًا على أرض تصور أن أبناءها عبيد له، هذه الخيانة كانت تكلفتها إلياس بربروس وزوجات آل بربروس جميعا، لا شرف ولا كرامة، ولا ذمة، ولا دين، كل هذا بمساعدة نائبه وقائد قواته. والثاني خائن استمرأ العيش في كنف سلطان خائن.

كانت بداية هذه الخيانات في الإسكندرية، شهباز بن كيليتش، الوالد مخلص للدين والوطن والأمة، ولكن الابن يخرج عن الطوع ويذهب إلى البحر ليصبح أحد قراصنته، ويعود إلى الإسكندرية، وعندما يحاول الأب أن يقف أمام أطماعه يقتل هذا القرصان أباه، ويحاول السيطرة على شقيقه شاهين، لكن شاهين رغم أنه لا يحب عروج بربروس بسبب تفوقه عليه لا يوافق شهباز، الذي يخون الجميع حتى أخاه فيقتله كما قتل أباه.

خيانات عديده يستعرض نماذجها العمل الدرامي الضخم، تلك الخيانات الداخلية التي تسببت في خسائر كثيرة، سواء في معارك حربية خسرها آل بربروس ضد السيطرة الغربية على البحر الأبيض، فما من هزيمة للوطن وفرسانه الذي يحملون الأمانة بشرف إلا وراءها حاكم غافل كحاكم الإسكندرية المملوكي، أو نائب عثماني باحث عن مكانة لا يستحقها (مسيح باشا) أو سلطان فاسد مثل سليم التومي، أو شاب يملأ الحقد قلبه مثل شهباز بن كيليتش.

لا فن بلا رسالة

الدراما التلفزيونية أو السينمائية ليست فقط تسلية وأوقات فراغ نملأ بها فراغات الشاشات العربية أو الأجنبية، فما من عمل درامي إلا وراءه هدف ورسالة، ولو بدت في أحيان كثيرة غير ظاهرة.

مقولة الفن للفن لا تستعملها إلا الأمم الغائبة عن الوعي، التي يريد أعداؤها لها أن تستمر في الغيبوبة، هؤلاء مصالحهم تقتضي أن نظل غافلين، ويصدرون لمن يدعي الإبداع لدينا أن هناك فنا من أجل الفن، مهمة الجمهور أن يكتشف الرسالة التي يحتويها العمل الفني، القيمة في العمل، لا يهم من أنتجه ولا أبطاله من أي بقعة في العالم، الأهم أن تدرك الرسالة والقيمة منه، ما قدمه العمل الفني بربروس ليس محليا بل هو قيم إنسانية علينا أن نستوعبها ونحن نضع أيادينا على طريق نتلمس فيه المستقبل.

المصدر : الجزيرة مباشر