لماذا يُسقط شُيوعِيو الصين المرأة من “نصف السماء”؟!

السيدة (هو) المضيفة الجوية الصينية

حصلت سيدة صينية عمرها 50 عامًا، على فرصة للعمل مضيفة طيران، واحتفى صينيون بالحدث الذي نشرته جريدة South China Morning Post، وكأنها صعدت للقمر، صدى قصة المضيفة “هو”، دفعني لمحادثة زميلة صينية، تعمل في مؤسسة إعلامية حكومية، تبحث عن فرصة للعمل خارج بيجين، منذ 3 أعوام.

سعي المضيفة الالتحاق بمهنة تسافر من خلالها للخارج، على مدار 10 سنوات، وجهنا للبحث عن فرصة مماثلة، لشابة تجيد العربية والإنجليزية، أضناها الإغلاق المتكرر لمواجهة وباء كوفيد- 19، وتلوث شديد أصابها بأمراض صدرية، فحاولت مرارًا العودة إلى القاهرة.

أبلغتني الزميلة -عاشت في مصر 5 سنوات، عادت منها بزوج وطفلة- أنها شاهدت حكاية “هو” وأعجبت بقدرتها على الصمود، بعد أن أحالتها شركة طيران محلية، عملت فيها لسنوات إلى التقاعد، بعد بلوغها 40 عامًا، واستطاعت المضيفة أن تتعلم اللغة الإنجليزية والفنلندية ذاتيًا، وتقدمت لشركة أخرى تعمل على الخطوط الدولية، فقبلتها، بعقد مدته 6 سنوات، لعدم وجود كفاءات تسد حاجة شركات الطيران، التي توسعت بالسوق المحلي وتنمو بأنحاء العالم.

نصف السماء

تحولت “هو” إلى أيقونة، لسيدات يصارعن من أجل الحصول على فرصة عمل، في بلد ظل منذ عام 1949، إلى ثمانينيات القرن الماضي يردد مقولة الزعيم ماو تسي دونغ “المرأة تحمل نصف السماء” الذي يعدّهن بناة الأمة الشيوعية الجديدة.

حرص الحزب الشيوعي على أن يكون للزائرين لقاء مع قيادات نسائية، ليفتخر بمكانتها الرفيعة، فكان لقاؤنا مع تشن مو هو رئيسة الاتحاد النسائي لعموم الصين، ثاني امرأة تصبح نائبًا لرئيس الوزراء، مطلع القرن الحالي، من آخر المشاهد المنظمة مع قيادات نسائية.

جاءت الصدمة، عندما أبلغتني الزميلة بيأسها من البحث عن عمل يدر دخلًا كريمًا، قائلة: المرأة الصينية عندما تبلغ 30 عامًا، وتريد الالتحاق بعمل جيد يسألونها: هل لديك خطة للزواج؟ ولما تخبرهم بأنها متزوجة، يقولون هل عندك خطة للإنجاب؟ وما خطتك للرضاعة وتربية الأطفال؟ عادة ما يكون العمل بالوظائف من نصيب الفتيات غير المتزوجات، لذلك استسلمت الزميلة للبقاء بوظيفة حكومية محدودة الدخل، على أن تصارع -دون جدوى- لسنوات، بحثًا عن عمل يوفر لها حياة مستقرة في مدينة باهظة التكاليف.

 

الوظائف والأجور

 

دلت الحالتان على الهوة التي تعيشها المرأة الصينية منذ عقود، مع التحول إلى النظام الرأسمالي، وترك الحكومة توظيف المواطنين لحرية السوق، ففقدت النساء رعاية الدولة، بعد أن كانت أكبر أمة في عدد السكان، لديها خطط أكثر تقدمًا للمرأة، أشادت بها مؤشرات التنمية البشرية بالأمم المتحدة، وظهر التدهور في السنوات العشر الأخيرة، متأثرًا بتراجع معدلات النمو الاقتصادي، الذي زادت حدته، بارتفاع معدلات تضخم أدت لضغط الوظائف والأجور، وانخفضت مشاركة المرأة بالقوى العاملة من 70.5% عام 1990، إلى 61.6% عام 2000 وفقًا للبنك الدولي، وتحتل الصين المرتبة 102، من أصل 146 دولة، في تصنيف المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين، عام 2020، بعد أن كانت تحتل المرتبة 63 من أصل 115 عام 2006.

 

ذكور بلا نساء

 

أدت سياسة الطفل الواحد التي طبقها الحزب الشيوعي لأربعة عقود، إلى وجود 35 مليون ذكر زيادة عن الإناث، وفقًا لإحصاءات السكان عام 2020، ارتفع متوسط سن الإنجاب من 26–29 عامًا بمعدل 3 سنوات، وتشير تقارير الأمم المتحدة عام 2020 إلى أن 51% من ولادات الإناث يُتخلص منهن بالإجهاض، وتبلغ نسبة ولادة الذكور 112 مقابل 100 ولادة أنثى عام 2021، ولدى نساء الصين أعلى معدلات إجهاض، لكل 1000 امرأة تتراوح أعمارهن بين 15 إلى 49 عامًا.

تتحمل النساء ضغوطًا اجتماعية هائلة في إدارة الأسرة، خاصة مع لجوء مئات الملايين من الرجال إلى الرحيل عن منازلهم، للعمل بعيدًا لعام وأعوام، واضطرار ملايين الزوجات للسفر في اتجاهات مغايرة لممارسة أعمال شاقة بالحقول ومحلات، تستغرق 15 ساعة يوميًا، بينما يتولى الأجداد مسؤولية التربية والتعليم للصغار.

تسببت الضغوط الحياتية في نفور الفتيات من الزواج، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، ونشأة جيل من الذكور المدللين، جعل حالات الطلاق تزيد عن 51% من عدد الزيجات سنويًا، وتظهر استطلاعات علمية رفض 41% من السيدات الدخول في مؤسسة الزواج تمامًا، مفضلة التفرغ لأعمالهن، وتفضل ثلث النساء عدم الإنجاب نهائيًا.

 

كلمات جوفاء

 

بعد سنوات قليلة من سياسة تحرير المرأة وفقًا للنهج الشيوعي، بدت عبارة “النساء يحملن نصف السماء” جوفاء، في دولة تدفعهن للتقاعد عند 50 عامًا، في حالة العمل البدني، و55 بالمكاتب الحكومية، بينما الرجال عند 55 و60 عامًا، ولم يسمح الحزب بوجود أي امرأة بعضوية اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، التي تتشكل من الرئيس وكبار معاونيه، منذ تأسيس الدولة، وشاركت 8 نساء فقط، خلال 73عامًا، بالمكتب السياسي الذي يضم 25 عضوًا من الوزراء وكبار المسئولين، منهن 3 من الثائرات متزوجات من مؤسسي الحزب.

تخلص الرئيس شي جينبنغ من آخر القيادات النسائية “صن تشونلان” 72 عامًا، المعروفة بـ “قيصر كوفيد” و”شمس الساحرة الشريرة”، من عضوية المكتب السياسي الجديد، تعهدت بالتزام -أصابها بكراهية المواطنين- تنفيذها القاسي لقرارات الإغلاق، وفقًا لرؤية الرئيس.

ارتفعت نسبة الحاصلات على تعليم في الجامعات من 38% عام 1998، إلى 50% عام 2009، و51% عام 2020، وفقًا لبيانات وزارة التعليم، إلا أن دورهن تراجع بنسب الحصول على فرص العمل وحصة الدخل وإدارة المؤسسات، والتمكين السياسي.

يبقى الأمل بدولة فيها 470 مليون أنثى تتراوح أعمارهن بين 15-64 عامًا، خرجت منهن 78 مليارديرة عصامية، يمثلن أكثر من ضعف ما يمتلكه العالم من مليارديرات، لم يرثن المال عن الآباء، إلا أنهن تعلمن جيدًا وبالخارج، وتفوقن بفضل ذكائهن والعمل الشاق على مدار الساعة، ولم تجن المرأة الصينية شيئًا من جنة الشيوعيين، التي أعادتها إلى عصر “بقايا الطعام”، فلم يبق أمامها إلا البحث عن فرصة عمل تصعد بها لعنان السماء.

المصدر : الجزيرة مباشر