هل تستطيع الحركة الإسلامية أن تقرأ الواقع لتبني المستقبل؟

تحتاج الحركة الإسلامية لقراءة الواقع بخيال جغرافي وسياسي واجتماعي وتاريخي لاكتشاف إمكانيات بناء المستقبل.. فالواقع يبدو للناظر أنه مظلم وكئيب؛ وكل ما فيه يدعو لليأس والقنوط؛ لكن البصيرة يمكن أن ترى الكثير من أضواء الأمل الخافتة.

بالخيال السياسي يمكن أن نلاحظ أن العالم يشهد عملية تغيير في موازين القوي، وأن سيطرة القطب الواحد توشك أن تنتهي؛ وأن المجال أصبح مفتوحا لظهور أقطاب جديدة، وأن هناك إمكانيات لبناء القوة الصلبة والناعمة بمنظور غير غربي، وبمقاييس حضارية جديدة.

نهاية السيطرة الغربية!

قراءة الواقع بعمق يمكن أن تفتح لنا مجالات جديدة للتفكير والتخطيط وتطوير رؤية إسلامية جديدة للقرن الـ21.. وهذه الرؤية يجب أن تقدم إجابة مبدعة لعدد كبير من الأسئلة من أهمها:

1- هل تستطيع الأمة الإسلامية أن تصبح قطبا فاعلا في بناء عالم جديد؟

2- كيف يمكن أن تبني الأمة الإسلامية قوتها المادية الصلبة، وتديرها بكفاءة لبناء الحضارة الإسلامية؟

3- كيف تستخدم الأمة الإسلامية ثروتها البشرية لتصبح مصدرا للقوة المادية والعلمية والفكرية؟

4- كيف يمكن أن تستخدم الأمة الإسلامية ثروتها المعرفية والفكرية لقيادة العالم بالمعرفة؟

خيال عالمي جديد!

الإجابة المبدعة على تلك التساؤلات تحتاج إلى خيال يربط التاريخ بالجغرافيا، والمعرفة بالحضارة، والسياسة والعلم والقوة المادية بالأخلاق والقيم؛ لتشكل أساسا لعملية تغيير عالمي.. ويحتاج ذلك المشروع طويل المدى إلى جهود الكثير من العلماء والمفكرين والقادة والثوار.. ويمكن أن يتحول ذلك المشروع إلى حلم الأمة الإسلامية الذي تكافح وتتوحد وتستخدم قوتها المادية والبشرية والفكرية لتحقيقه.

لكن دعنا نبدأ من قراءة الواقع، ونطرح سؤالا: هل تحتاج البشرية إلى هذا المشروع الحضاري لبناء عالم جديد؛ وهل يوفر الواقع فرصا لنجاح هذا المشروع؟!

الطموح للتغيير وبناء المستقبل

لكي نتمكن من رؤية الفرص والإمكانيات والتحديات يجب أولا أن نمتلك الطموح الذي يشحذ البصيرة، ويحفز الشعوب للكفاح من أجل التغيير وبناء المستقبل.. فكثيرا ما يتيح الواقع فرصا لبناء القوة وتحقيق الحلم؛ لكن الشعوب تضيع هذه الفرص عندما تفقد الطموح، ويخفت في النفوس ضوء الأمل، ولا تتحمل الشعوب مسؤوليتها في الكفاح، ولا تكون راغبة في تقديم التضحيات.

لقد امتلكت الأمة الإسلامية الكثير من الفرص لتحقيق النهضة والانتصارات، وبناء المستقبل، لكنها لم تتمكن من قراءة الواقع بعمق، ولم تستطع أن تفرض إرادتها، وتختار حكاما يمكن أن يقودوا الأمة لتحقيق الاستقلال الشامل.

قراءة التاريخ والواقع توضح لنا أن القيام بدور فاعل في بناء الحضارة؛ يحتاج إلى وعي الأمة بهويتها ودورها التاريخي ووظيفتها الحضارية، وأن تمتلك الأمة الثقة في نفسها، وتتقدم لفرض إرادتها، وأن يكون لها قيادة تمتلك رؤية لتحقيق الحلم، وأن تكون مستعدة وقادرة على تقديم التضحيات.

ضعف الاستعمار القديم!

كان من أهم الفرص التي ضاعت خلال القرن الماضي؛ أن ضعف الاستعمار القديم فتح المجال لبناء عالم جديد تفرض فيه الشعوب إرادتها.. ولم تكن الولايات المتحدة قادرة على أن تملأ الفراغ، وكانت تخوض حربا باردة مع الاتحاد السوفيتي.

لكن القيادات التي تولت الحكم -خاصة في مصر- لم تكن تمتلك خيالا سياسيا وجغرافيا، وكان طموحها محدودا؛ يتمثل فقط في فرض الأمن والاستقرار بقهر الشعوب، وكانت تعتمد على الأيديولوجية الغربية العلمانية، وهي أيديولوجية لا تتيح للشعوب تحقيق الاستقلال الشامل، أو بناء القوة، أو تقديم إنجازات حضارية.

كما أن الأيديولوجية العلمانية الغربية لا يمكن أن تحفز الشعوب لاستثمار قوتها، أو لتحقيق حلم الاستقلال الشامل؛ وهو بالضرورة إنجاز حضاري إسلامي.

وكان الصدام حتميا!!

لذلك كان الصدام حتميا بين الحكام الطغاة والحركة الإسلامية.. واستخدم الحكام القوة الغاشمة لاستئصال الحركة الاسلامية ونفيها من التاريخ باعتبارها المعبرة عن حلم الأمة بتحقيق الاستقلال الشامل، ولأنها القيادة الحقيقية لمرحلة الكفاح ضد الاستعمار، والتي تشكل الاستمرارية الحضارية.

وكان إدراك الحكام المستبدين –خاصة عبد الناصر– لدور الحركة الإسلامية في الكفاح ضد الاستعمار أهم العوامل التي دفعته للصدام الدموي مع الحركة الإسلامية، واستخدام أقسى أساليب التعذيب في السجون ضد قياداتها لتوصيل رسالة للشعب من أهم معانيها: أن من يفكر في مواصلة الكفاح ضد الاستعمار والتبعية والاستبداد سيلقي مصير هؤلاء القادة، وسيتعرض لذلك التعذيب الرهيب!!

هناك فرص جديدة.. ولكن!

قراءة الواقع الراهن توضح أن هناك فرصا جديدة لا تقل أهمية عن تلك الفرص التي أتاحها ضعف الاستعمار القديم في منتصف القرن الماضي.

من أهم تلك الفرص أن مشروع التنوير الأوربي فقد بريقه، وأوشك الآن على نهاية حتمية؛ فأصبح العالم كله يحتاج إلي مشروع حضاري جديد.. فهل يكون هذا المشروع الذي تتطلع له الشعوب هو الإسلام؛ بكل ما يمكن أن يفتحه للبشرية من آفاق لبناء حضارة جديدة يجد فيها كل إنسان معنى لحياته، وإمكانيات للحصول على المعرفة، وحرية حقيقية ترتبط بالإيمان، وعدالة وكرامة ويقين.

الإجابة المبدعة على تلك التساؤلات ستكون نتيجة كفاح الأمة الإسلامية خلال هذا العقد، وهي أيضا جهد علمائها الذين يجب أن يشحذوا بصيرتهم ويوظفوا طاقاتهم ومعرفتهم لتوعية الأمة بمصادر قوتها المادية والبشرية والمعرفية.

لكن الأمة يجب أن تتحمل مسؤوليتها في حماية هؤلاء العلماء، وفتح المجالات أمامهم لنشر المعرفة التي تحفز الشعوب لبناء المستقبل على أسس جديدة؛ فهؤلاء العلماء معرضون دائما لاضطهاد المستبدين.

كما تحتاج الأمة إلى مراكز بحوث، وجامعات منتجة للمعرفة تبني الأساس العلمي والمعرفي لنهضة الأمة، واستثمار الثروة المعرفية في بناء المستقبل والكفاح من أجل تحقيق الاستقلال الشامل.. فهل نجد دولة عربية تمتلك الحلم والطموح لبناء المشروع الحضاري الإسلامي؟!

والحركة الإسلامية يمكن أن تتحول إلى مصدر لقوة الأمة وتحقيق استقلالها الشامل عندما تمتلك الرؤية لتوظيف كوادرها، وإعداد قيادات جديدة قادرة علي مواجهة التحديات، واستثمار الفرص التي يتيحها القرن الـ21.

المصدر : الجزيرة مباشر