قرار طالبان بمنع تعليم بنات الأفغان!!

طالبان

حركة طالبان، حركة مثيرة للجدل منذ نشأتها، فهي حركة تجمع بين العمل السياسي والقتالي، مع حرصها على الالتزام بالتقليد المذهبي بوجه عام، ومن المواقف التي أثارت الرأي العام قرارها الأخير بمنع تعليم الفتيات في أفغانستان في المرحلة الجامعية، وقد كان لهم قرار من قبل ولا ندري هل تراجعوا عنه أم لا، وهو: الاكتفاء بتعليم البنات المرحلة الابتدائية فقط.

اعترضت دول إسلامية على القرار، واعتبرته منعا لحق من حقوق البنات، واستهجنه شيخ الأزهر، وبين أنه قرار يخالف ثوابت الشرع الحنيف، وأنه لا يعبر إلا عن جهل بالشريعة ونصوصها البينة الواضحة.

ولكي نفهم خلفية القرار عند طالبان، وهل هو قرار سياسي فقط، أم معتمد على تقاليد البيئة الأفغانية، أم مستند إلى رأي فقهي مذهبي، حيث إنهم ينتمون – كشأن غالبية الأفغان – للمذهب الحنفي، فحركة طالبان هي حركة طلبة علم، تنتمي للمدارس التقليدية المعروفة في هذه البلدان، فعلام استندت طالبان في قرارها؟

حوار القرضاوي مع طالبان حول تعليم البنات:

وقد سبق أن حاور الشيخ القرضاوي حركة طالبان في فترة حكمها الأولى، عندما زارهم لأجل الحوار عن تهديد العالم لهم، والمخاوف المحتملة من جراء هذا التهديد، وكان من ضمن نقاشه لهم، قضية تماثيل بوذا، وأيضا ناقشهم حول قضية: منع تعليم البنات، ووقتها قالوا له حجة صمت بها القرضاوي والوفد المرافق من العلماء، لأنها لم تكن حجة علمية، بل كانت حجة تنطلق من الحاجة والفقر، وقلة الموارد، وهو ما لا يسع إنسان أن يناقش فيه لأنه يرى الحال بنفسه.

وقد سبق أن ذكره الإعلامي الكبير الأستاذ أحمد الشيخ، أنه حين زار أفغانستان، وقد رأى أطفالا صغارا في الصباح، ولا يذهبون لمدرسة، فسأل مسنا أفغانيا: لماذا لا يذهب هؤلاء الأطفال للمدارس؟ يقول: فنظر إلى شزرا، ثم قال لي: اسأل أولا، هل أفطر هؤلاء الأطفال؟

بهذه الحجة نفسها أجابت طالبان القرضاوي عندما أنكر عليهم عدم تعليم النساء، فقالوا له: إن الهجمات الأمريكية وغيرها علينا، دمرت المدارس، ونحن نعلم في المساجد المتاحة، والإمكانات لا تسمح بتعليم البنات والذكور، فنحن نبدأ بالذكور، وعندما يتيسر الأمر سنعلم البنات، لكن إمكاناتنا الآن لا تسمح بذلك، فنقل القرضاوي وجهة نظرهم محسنا الظن بهم، وبما قالوه وقتها، ولكنه يبدو أنه كان مناورة وقتها، وإلا فوجب عليهم التوضيح، لماذا قالوا للقرضاوي كلاما، والآن ينفذون بعد عشرين سنة كلاما آخر، في تجربتهم الثانية لحكم أفغانستان.

هل تستند طالبان للمذهب الحنفي في المنع؟

حاول البعض أن يذكره حجة مذهبية، لعل أهل طالبان استندوا إليها، وهي أن المذهب الحنفي لا يرى أن تصلي المرأة الجماعة في المسجد، ويرى أفضلية صلاتها في بيتها، فهو رأي متعلق بصلاة الجماعة في المسجد، وهي ليست مفروضة بالأساس، والمذهب الحنفي رأيه فيها أنها ليست واجبة، فالحكم متعلق بصلاة الجماعة، وليست بالصلاة التي هي فريضة، فالحديث هنا عن سنة مؤكدة، وليس عن فرض، وهو شأن آخر.

وقد كانت مساجد البلاد التي يتمذهبون بالمذهب الحنفي لا تجعل مصلى للنساء في المسجد، حتى شكا من ذلك الشيخ القرضاوي لرئيس الشؤون الدينية التركية السابق الدكتور محمد قورماز، فأخبره أن ذلك كان قديما، وأنه في كل المساجد الجديدة التي تبنى الآن يراعى فيها مصلى للنساء، والمساجد القديمة خصص فيها أماكن للنساء، مثل مسجد الفاتح وغيره.

المذهب الحنفي ضد طالبان:

والحقيقة أن من يرجع للمذهب الحنفي الذي تعتنقه طالبان وبقية الأفغان، سيجد أن أحكامه ضد ما تفعله طالبان في قضية تعليم الفتيات، فإن أبا حنيفة يجيز للمرأة أن تكون قاضية فيما يجوز لها أن تكون شاهدة فيه، ومعروف شروط الأحناف والفقهاء فيمن يتولى القضاء، من حيث مكانته العلمية، وتأهيله الفقهي، فكيف إذن ستكون المرأة قاضية على قول أبي حنيفة، بينما هي جاهلة، ومذهب أبي حنيفة يرى الحجر على المفتي الماجن، أو الجاهل، رغم تشدد أبي حنيفة في قضية الحجر على الإنسان، لأنه يراه صاحب عقل، ولا يحق لأحد أن يحجر عليه، ما عدا ما استثناه أبو حنيفة في قضية الإفتاء عن جهل، أو مجون.

كما أن المذهب الحنفي وغيره يجيز أن تكون المرأة مفتية، ولا يعتبر من شروط الإفتاء: الذكورة، فليس وظيفة مرتبطة بجنس، بل ترتبط بالأهلية للفتوى، من حيث الاستعداد العلمي والخلقي والديني لها، فكيف إذن سيطبق الأحناف الأفغان هذه المبدأ الفقهي الحنفي على المرأة بينما حرمتهم الحكومة من التعليم العالي، وهو يعد فقط مدخلا للتأهل للفتوى، وليس مؤهلا للاجتهاد الذي هو أعلى رتبة في العمل الفقهي؟!

وتاريخ المذهب الحنفي يبين جهل طالبان بالمذهب، فهناك مراجع معتمدة في الفقه الحنفي يرجع إليها، من أهمها كتابان مهمان، الأول: (تحفة الفقهاء) لعلاء الدين السمرقندي، وقد كان فقيها حنفيا معروفا، وهناك أحد تلامذته شرح كتابه، في كتاب آخر أطول وأوسع، وهو كتاب: (بدائع الصنائع) لعلاء الدين الكاساني، فكافأ الأستاذ تلميذه على شرح كتابه بأن جعل هذا الشرح مهرا لزواجه بابنته، فقالوا: شرح تحفته، فزوجه ابنته.

الأهم في القصة هنا ليس شرح الكتاب ولا جعله مهرا لابنته، بل البنت نفسها، فقد كانت فقيهة وكانت الفتوى تصدر عن أبيها الفقيه الحنفي، وتمهر بتوقيعه، وتوقيع ابنته الفقيهة الحنفية، فلما تزوجها تلميذه (الكاساني)، أصبحت الفتوى تخرج بثلاثة توقيعات: السمرقندي، وابنته، وزوجها الكاساني.

الشرع الإسلامي يرفض إجراء طالبان:

وإذا كان المذهب الحنفي لا يتفق مع ما قامت به طالبان، فقبل المذهب الحنفي، الشرع الإسلامي نفسه، بنصوصه الواضحات البينات الصريحة في الأمر بالعلم، وبطلب العلم، ولا فرق في ذلك بين رجل وامرأة، فهناك عشرات النصوص تأمر بطلب العلم، وهو أمر لا يتعلق بجنس، بل هو طلب من الجميع، فأداء الفرائض مطلوب من الرجل والمرأة على حد سواء، فحديث القرآن عن العلم والعقل والفكر، والأمر بكل ذلك، ليس مرتبطا بالرجل دون المرأة.

والنصوص المتوافرة في السنة النبوية التي ذكرت في باب العلم، وطلب العلم، وفرضيته، ليست مخصصة للرجل، فمثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم”، قال الشراح: أي أنه فرض على كل مسلم ومسلمة، ولذا رأيناهم يضعفون من يروي الحديث بصيغة: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، فقالوا: لأن المسلمة داخلة في الخطاب، وهو من دلالات ضعف هذه الرواية، إذ النصوص في عمومها لا تفرق في خطابها بين المرأة والرجل، إلا ما كان خاصا بجنس منهما، يصدر بصيغته وأحكامه.

حجج واهية لطالبان:

من العلل التي بدأت طالبان تبرر بها رفض تعليم الفتيات في الجامعة، أن التعليم يتسبب في الاختلاط بين الجنسين، وهو محرم، وهذه حجة واهية باطلة عجيبة، فإذا كنتم ضد الاختلاط، فلتقيموا جامعات خاصة للفتيات، كما هو شأن جامعة الأزهر في مصر، وجامعات في غزة، وفي دول إسلامية أخرى، فليتم تقسيم المدارس والجامعات الموجودة ويخصص منها للفتيات بحسب النسبة والتناسب بين عدد الذكور والإناث، أو حسب عدد المتقدمين للدراسة الجامعية وغيرها.

ثم ماذا يفعل أهل طالبان عندما يذهبون للحج والعمرة، أليس الحرم الشريف مختلطا بين النساء والرجال؟ في السعي والطواف، وفي تفاصيل الحج والعمرة، إلا فقط في المسجد النبوي، وهو ليس من شعائر الحج والعمرة، فماذا سيفعل أهل طالبان عندما تحج أو تعتمر المرأة الأفغانية، هل سيمنعونها من الحج والعمرة بحجة الاختلاط؟ أم أن عليهم أن يفهموا الفرق بين الاختلاط الممنوع، وبين الاختلاط المشروع المنضبط بضوابط الشرع.

واحتجت طالبان كذلك على لسان وزير التعليم الأفغاني، بأن بعض المواد التي يتم تدريسها تنتهك مبادئ الإسلام، وهو كلام لا يمت للدين ولا  العلم بصلة، بل يعبر عن سطحية غريبة، فهل الأولى تجنب هذه المواد، واستبدالها بمواد أخرى، إن كانت مواد متعلقة بالدين، أما لو كانت مواد متعلقة بالعلم التجريبي، كالفيزياء والكيمياء، أو المواد الإنسانية مثل الفلسفة، فعلى مدار التاريخ الإسلامي هذه الكتب موجودة في المدارس الإسلامية، وتدرس الأفكار والرد عليها، ولا يخلو كتاب تراثي تناول هذه القضايا في العلوم دون مناقشة أو رد.

للأسف القرار لا يمت بصلة للمذهب الحنفي، ولا لصحيح الإسلام، بل مستند لأفكار تتعلق بالبيئة، والتركيبة الشخصية لطالبان نفسها، وهو ما فصله كتاب من أهم ما كتب عن طالبان، ومن أوائل ما كتب عنها، حيث شرح تركيبتها النفسية والعلمية، وهو كتاب: (طالبان من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين) لمولوي حفيظ الله حقاني، وقد اعتمد عليه الأستاذ فهمي هويدي في كتابه: (طالبان.. جند الله في المعركة الغلط).

نتمنى أن يتواصل العلماء الثقات ممن تتصل بهم طالبان، وتثق فيهم، وتنصت لكلامهم، فينصحوهم بما يجب فعله في مثل هذه القرارات الخطيرة والحساسة، وأن يراجعوهم في مثل هذه القرارات التي تضر بسمعة الإسلام، وبحاضر المسلمين ومستقبلهم.

المصدر : الجزيرة مباشر