الربيع العربي والفشل المزعوم للإسلاميين

الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في تونس

كان هناك مشهد استثنائي في الأحداث التي بدأت في تونس قبل 12 عامًا وتطورت عبر تأثير الدومينو في أنحاء العالم العربي. وأدت التطورات إلى الاعتقاد بأن هذه الأحداث لا يمكن أن تقع إلا بتدخل خارجي. ولكن كانت جميع هذه البلدان تواجه ظروفا اجتماعية خطيرة جدًا جاهزة لتهيئة مثل هذه الأحداث والوقوع في تأثير الدومينو. هذه التطورات مشابهة جدًا للتطورات التي حدثت في أوربا عام 1968 والتي أثرت على أوربا بأكملها. ومن الوهم التفكير في أن هناك قوة خارجية تتحكم دائمًا في كل هذه العمليات من البداية، وتبقى هذه طريقة سهلة جدا في التفكير ولا سيما أن أوهامنا تتغذى على وجود القوة العظمى المتجذرة في أذهاننا.

وبكل تأكيد سيكون من السذاجة أن نقول إنه لا توجد قوى عظمى تريد السيطرة والتحكم في جميع الأحداث والتطورات التي تقع في العالم. وبغض النظر عن مدى قوة ورغبة هذه القوى في الهيمنة، غالبًا ما تخرج الأحداث الاجتماعية عن السيطرة.

إن أفضل براعة لهذه القوى العظمى ليس إشعال الأحداث من البداية، بل جرها في الاتجاه الذي تريده.

لم يكن الربيع العربي، بمطالبه ووعوده، عملية يمكن لهذه القوى أن تقودها بأي شكل من الأشكال، بل على العكس من ذلك، فإن العملية تنطوي على إمكانية تهديد النظام الذي أسسوه منذ البداية.

لقد تأسس النظام العالمي القائم لضمان عدم توحد المسلمين العرب فيما بينهم وتوحد العرب والأتراك بأي شكل من الأشكال. تشكلت الظروف التي فرضت النظام القائم على العالم الإسلامي بعد الحرب العالمية الأولى، وما زالت مستمرة.

إيقاف الربيع العربي

كل المشاكل التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم نابعة من مقاومة النظام السياسي الدولي للتطورات الاجتماعية الطبيعية التي تفرض هذا التوحد. الشعوب تتجاذب فيما بينها وتريد الاندماج، ولكن القوى التي تعارض هذا التوحد تعمل على منع ذلك.

لو لم يتم إيقاف الربيع العربي عبر التدخلات القوية واستمر كما بدأ لكانت اليوم العلاقات مختلفة كثيرًا بين العالم العربي والشرق الأوسط وتركيا. إن مسألة إيقاف الربيع العربي ليست مجرد الخوف من الديمقراطية الذي عاشته بعض الملكيات العربية، لأن الخوف من الديمقراطية في العالم الإسلامي لا يوجد فقط في الأنظمة الملكية العربية أو بعض الأوليغارشية، بل هناك خوف من هذه الديمقراطية في الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الأوربية. فبالنسبة لهم، العالم الإسلامي الديمقراطي يعني نهاية النظام الذي يرونه مناسبًا للشرق الأوسط، الخارج عن سيطرتهم.

وتهدد الديمقراطية الحقيقية التي ضمنت اندماج الشعب والدولة في الشرق الأوسط وجود إسرائيل، لأن إسرائيل بكل وجودها الحالي المحتل والتوسعي والمنتهك للقوانين الدولية تدين للأنظمة المنفصلة عن شعوبها.

لم يبدأ الإسلاميون بإطلاق الربيع العربي، حتى إن الربيع العربي لم يبدأ بمطالب وشعارات إسلامية. ولكن في التجارب الديمقراطية في جميع البلدان التي حدث فيها ربيع عربي، كان الإسلاميون أكثر فاعلية وكسبًا خلال تلك المرحلة. وهذا يفسر سبب استمرار العمل على منع الديمقراطية حتى الآن في هذه البلدان.

كان صعود الإسلاميين يعني أن هناك إمكانية لحدوث تقارب وتوحد بين جميع الشعوب العربية والإسلامية. هذا الأمر الذي أخاف نظامي سايكس بيكو وكامب ديفيد.

ربما كان هذا هو سبب إيقاف مسيرة الربيع العربي عن طريق الانقلابات والتدخلات المضادة للثورات وعبر ارتكاب أشد المجازر والجرائم الإنسانية المختلفة.

التدخلات غير العادية

ومن الغريب أن نسمع بعض الناس يقولون إن الإسلاميين لم ينجحوا في هذه العملية، ولم يتمكنوا من طرح مشروع ولا يمكنهم تجديد أنفسهم.

في أي من هذه الدول يمكن للإسلاميين أن يقدموا حلاً؟ خاصة عندما لا يتبقى مجال لأي دور سياسي. فقد توقفت الثورات في هذه البلدان عن طريق التدخلات والانقلابات غير العادية. كما أن الأمر لم يقتصر على إيقاف أنشطة الأحزاب السياسية فحسب، بل تم إيقاف جميع أنواع الأنشطة المدنية أيضًا.

لذلك أي نوع من المعجزات المنتظرة من الإسلاميين في مثل هذا الجو الاستبدادي، حيث يُلقى في السجن فوراً أي شخص يثبت ارتباطه بمنظمة إسلامية؟

ما المعيار الذي يمكن قياس نجاح أو فشل الإسلاميين فيه، ولا سيما أنه سُجن وقُتل الكثير منهم والبعض الآخر يعيش في المنفى.

والأشخاص الذين لا يكترثون أبدا بانتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها الإسلاميون في هذه البلدان ويوضحون بكل فخر أن الإسلاميين فشلوا، لا يمكنهم إخفاء أن لديهم عقدا نفسية.

هؤلاء أنفسهم لا يرغبون أبدًا في سماع قصة عن الإسلاميين ناجحة. لا يريدون سماع سوى الفشل، ولم يتوقفوا عن سرد قصة الفشل حتى في أكثر اللحظات الإسلامية نجاحًا (وحتى لو استفادوا من هذا النجاح).

تأييد الديمقراطية وحقوق الإنسان

وقد أظهر الإسلاميون خلال مرحلة الربيع العربي أنهم يؤيدون الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات وأخوة الشعوب. لقد تصرفوا في دائرة الشرعية ونجحوا في هذا المجال. وأثبتوا أنه كلما طالت مدة بقائهم في هذا الميدان، كانوا أكثر نجاحا سواء من حيث كونهم الأفضل في الحكم أو في تقديم تطلعات ورؤية جديدة للشعوب.

يبدو أن الأشخاص الذين يقولون إن الإسلامين فاشلون يعتبرون أن الذين حولوا بلادهم إلى سجن مفتوح ومستنقع فساد ناجحون لمجرد أنهم في السلطة بحكم الأمر الواقع، وأن الإسلاميين لم يطمحوا أبدًا إلى مثل هذا النجاح.

المصدر : الجزيرة مباشر