هل سعى أردوغان لحبس إمام أوغلو لمنعه من منافسته؟

أكرم إمام أوغلو وأكشنار

 

صدور الحكم بحبس أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول عامين وسبعة أشهر وخمسة عشر يومًا، إلى جانب الحرمان من ممارسة العمل السياسي طوال مدة محكوميته، فأدخل أحزاب المعارضة التركية في حالة من الذهول والتخبط، الذي بدا واضحًا في إلقاء الاتهامات جزافًا هنا وهناك دون ضابط أو رابط.

حالة الغضب المصحوبة بالعويل والصراخ أظهرت المعارضة وكأنها خسرت مرشحها الفعلي للانتخابات الرئاسية، حتى ذهب البعض إلى تصوير الأمر وكأنه مؤامرة تستهدف القضاء على رئيس تركيا المقبل، والمنافس الوحيد الذي لديه المقدرة على تخطي عقبة الرئيس أردوغان، وإنقاذ البلاد والعباد.

موقف أثار الكثير من الدهشة والاستغراب في أوساط شرائح المجتمع التركي، التي يري أغلبها أن من أخطأ عليه تحمل نتائج خطئه، وأن السياسي المحنك يجب أن يدقق في اختيار توصيفاته ومفرداته، وألا يهين موظفين يعملون داخل الإطار العام للدولة، ففي إهانتهم إهانة رسمية للدولة، وهذا أمر غير لائق وغير مقبول.

غضب المعارضة من الحكم، وادعائها أن مرشحها للانتخابات مستهدف من جانب الحزب الحاكم ورئيسه أردوغان، يأتي في وقت لم تتفق فيه هذه الأحزاب حتى الآن على مرشح لهذه المهمة، رغم اجتماعاتهم المتكررة، ولقاءاتهم الدائمة، حيث تتعارض أفكارهم تجاه هوية هذه الشخصية، وما تحمله من سمات شخصية وسياسية.

أكشنار وأسباب طرحها لإمام أوغلو كمرشح رئاسي للمعارضة

صحيح أن اسم أكرم إمام أوغلو تم طرحه مرارًا وتكرارًا تحديدًا من جانب ميرال أكشنار زعيمة حزب الجيد بصفته الأكثر ملائمة لهذه المهمة من وجهة نظرها، ولقطع الطريق على زعيم حزبه الراغب في أن يكون مرشح المعارضة لهذه المهمة، إلا أن باقي رؤساء الأحزاب الأخرى المشاركين في ائتلاف الطاولة الستة لا يشاركونها الرأي نفسه، أبرزهم كمال كيليشدار أوغلو نفسه زعيم المعارضة ورئيس حزب الشعب الجمهوري الذي ينتمي إليه إمام أوغلو، لرغبته شخصيًا في الترشح، إلى جانب كل من أحمد داوود أوغلو رئيس حزب المستقبل، وعلي باباجان رئيس حزب التقدم والديمقراطية.

ميرال أكشنار التي لم تستسلم عندما احتد الخلاف بينهم على شخصية المرشح المنتظر، طلبت على ما يبدو من داوود أوغلو وباباجان لقاء الرجل والاستماع إليه، لأن هذا كفيل وفق وجهة نظرها بتغيير موقفهما منه، ومن مسألة ترشحه للرئاسة، وكمجاملة لها توجه كل منهما منفردًا للقاء إمام أوغلو في مكتبه ببلدية إسطنبول، وجلس معه مدة طويلة، لكنهما خرجا أكثر يقينًا بعدم صلاحيته لهذه المهمة، التي رأوا أنها أكبر منه، ومن خبرته السياسية، وهو ما اتضحت من خلال استمرار الخلاف بينهم جميعًا حول الشخصية التي يمكن أن يتم ترشيحها لمنافسة أردوغان بعد هذه الزيارات.

إمام أوغلو يواجه تهمًا باستغلال منصبه

نسي هؤلاء فور صدور الحكم أن إمام أوغلو يواجه الكثير من الانتقادات حول طريقة إدارته لبلدية إسطنبول، وفي أدائه السياسي على وجه العموم، إذ يتهمه بعضهم باستغلال موقعه ووظيفته لخدمة أهدافه وتحقيق طموحه السياسي، متجاهلًا مهامه الأساسية كرئيس لأكبر مدينة تركية من حيث المساحة وعدد السكان، الأمر الذي أدى إلى تدخل الدولة لحل أزمات السكان مرات عدة..

حتى أن أحزاب المعارضة لم تتورع عن وصف الحكم بالمسيس، والتصريح حينًا والتلميح في أحيان أخرى أن الرئيس أردوغان هو من يقف فعليًا وراء هذا الحكم الذي يمنع إمام أوغلو من الترشح للرئاسة ضده، وإمعانًا في تقييد الرجل سيتم منعه من مزاولة العمل السياسي طوال مدة محكوميته، خوفًا من قدرته على منافسته، واحتمال فوزه بمنصب الرئاسة، كما سبق وأن فعلها في انتخابات إسطنبول.

نسي هؤلاء أيضًا أن إمام أوغلو يواجه تحقيقات أمنية موسعة وليست سياسية عقب اتهامه رسميًا من جانب لجنة التفتيش التابعة لوزارة الداخلية، بالإقدام على تعيين أكثر من 455 موظفًا في مكاتب بلدية إسطنبول، والذين تم الكشف عن وجود علاقات لهم مع تنظيمات انفصالية خصوصًا حزب العمال الكردستاني، إلى جانب أكثر من 100 شخص مرتبطين بتنظيمات يسارية، وجماعة الخدمة التابعة لفتح الله غولان.

وهي التحقيقات الأمنية التي أعاد وزير الداخلية سليمان صويلو طرحها مجددًا أثناء إدلائه بشهادته في قضية التعدي بالسب على موظفين عموميين، بصفته أحد شهود الواقعة المتهم فيها أكرم إمام أوغلو، ووصفه لأعضاء اللجنة العليا للانتخابات بالأغبياء بسبب قبولهم الطعن الذي تقدم به حزب العدالة والتنمية حول نتائج الانتخابات التي أسفرت المرة الأولى عن فوزه بفارق ضئيل عن مرشح العدالة والتنمية بن على يلدريم.

اقتراح ترشيح إمام أوغلو للانتخابات الرئاسية

ورغم هذه الحقائق وغيرها التي تدين أكرم إمام أوغلو، نتيجة تصرفاته غير المدروسة، وقراراته التي يتخذها دومًا دون الرجوع للجهات المعنية، إلا أن ميرال أكشنار زعيمة حزب الجيد دعت إلى استغلال الفرصة، وإعلان إمام أوغلو مرشحًا موحدًا لأحزاب المعارضة الستة، حتى يتم إبطال الحكم الصادر ضده، ووضع الحكومة في موقف حرج أمام الرأي العام المحلي والدولي.

وهو المقترح الذي رد عليه رئيس الهيئة العليا للانتخابات مؤكدًا أنه حتى ولو حدث هذا، وفاز إمام أوغلو بالرئاسة رسميًا، فلن يتم تنصيبه أو تفويضه للقيام بمهام الرئيس كونه محكوم بالحبس لمدة تتخطى العامين، الأمر الذي يعني إعادة الانتخابات بين شخصيات طبيعية، ليس عليها أحكام جنائية، مما يدخل البلاد في دوامة لا عائد من ورائها سوى إثارة الفتن والقلاقل، وبث الفرقة بين شرائح المجتمع التركي.

طرح أكشنار أثار موجة من الاستياء داخل أوساط حزب الشعب الجمهوري، خصوصًا الحرس القديم الذي يقف خلف رئيس الحزب، ويدعم بقوة ترشحه للرئاسة، إلى جانب اعتبار قيادات الحزب أن موقفها به نوع من تخطٍ لصلاحياتها في علاقتها بهم وبحزبهم، صحيح أن دعم باقي الأحزاب في موقف كهذا مسألة غاية في الأهمية، إلا أن الموضوع بكامله يظل حزبيًا بامتياز، وعلى الحزب اتخاذ الموقف الذي يراه مناسبًا له كحزب، ولإمام أوغلو كرئيس لبلدية إسطنبول فقط لا غير.

موقف أكشنار أثار أيضًا غضب وسخط باقي أحزاب المعارضة المشاركة في ائتلاف الطاولة، حيث شعروا أن أكشنار تسعى بكل قوتها لضمان ترشح رجلها للرئاسة ضاربة عرض الحائط بآراء رؤساء باقي الأحزاب ومواقفهم من هذه المسألة، رغم إعلانهم جميعًا عن دعمهم للرجل في إطار مكانته كرئيس لبلدية إسطنبول، وكرجل منتخب من جانب الشعب، وليس مرشحًا للرئاسة..

الأمر الذي يعني إمكانية زيادة حدة الخلافات في وجهات النظر بين أحزاب المعارضة الرئيسية مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات،وهو ما يهدد تحالفها، لتكون أكشنار بذلك كالدبة التي قتلت صاحبها.

المصدر : الجزيرة مباشر