قمة بغداد 2.. تساؤلات وملاحظات

على هامش مؤتمر بغداد الثاني للتعاون والشراكة

في منتجع على البحر الميت، وفي المقابل من فلسطين التاريخية، أو ما تسمى الآن إسرائيل، استضافت المملكة الأردنية، الثلاثاء الماضي، (قمة بغداد 2) بمشاركة واسعة من حيث الشكل (كل دول الخليج العربية الست، إضافة إلى ست دول أخرى، تركيا وإيران ومصر والأردن والعراق وفرنسا) إلى جانب جامعة الدول العربية، والاتحاد الأوربي، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي، وسفراء الدول العربية في الأردن، وسفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، إلا أنها من حيث المضمون كقمة، لم يشارك فيها من الرؤساء سوى الرئيسين المصري والفرنسي إلى جانب ملك الدولة المضيف.

القمة تأتي امتدادًا لقمة (بغداد 1) التي عقدت في أغسطس 2021، بهدف إرساء الأمن والاستقرار في العراق، حسبما جاء في كلمات قادة الوفود المشاركة، إلا أن قمة هذا العام جاءت -كما هو معلن- بضغط من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لأهداف اقتصادية وسياسية، تسعى إليها فرنسا، في مقدمتها الحصول على كعكة كبيرة من مشاريع الإعمار في العراق، وتسويق السلاح الفرنسي لدول المنطقة، إلى جانب ضمان ضخ النفط العراقي، في ضوء أزمة النفط والغاز المتصاعدة مع روسيا.

مجرد عنوان

استقرار العراق إذن، مجرد عنوان، إلى جانب عناوين أخرى هامشية حملتها القمة، من بينها الأوضاع في لبنان وسوريا، ومكافحة الإرهاب، وأمن الغذاء والطاقة، ونووي إيران، وهو الأمر الذي جعل من كلمات رؤساء الوفود خلال الجلسة الافتتاحية، مجرد إثبات حضور، جمع بينها نقل تحيات القادة إلى القمة، والشكر موصول على حفاوة الاستقبال، ولم يمنع الأمر من الإشادة بقمم أخرى كقمة المناخ، والقمة الخليجية، والخليجية الصينية، وغير ذلك مما يشير إلى أن أحدًا لم يقدم ورقة عمل تتناسب مع حجم الأزمة في العراق، أو حتى في سوريا ولبنان.

على هامش القمة، وفي يوم انعقادها نفسه، أعلنت القيادة الوسطى الأمريكية تنفيذ غارات بالمروحيات على شرق سوريا، كما قصف الطيران الإسرائيلي في الصباح محيط العاصمة السورية دمشق، كما كانت مدن الضفة الغربية كلها في فلسطين المحتلة مغلقة في حالة إضراب تام، احتجاجًا على الإهمال الطبي في سجون الاحتلال، ووفاة أحد الأسرى، كل ذلك لم يأت ذكره في أي كلمة لأي من الوفود المشاركة، ليس ذلك فقط، بل لم يأت ذكره في البيان الختامي للقمة، استنكارًا أو ازدراء، أو أي شيء من هذا القبيل، على اعتبار أن الممارسات الإسرائيلية اليومية، والأمريكية بالطبع، ليست في حاجة إلى طرح من أي نوع، أو ليس مسموحًا باستنكارها، خصوصًا في حضور الرئيس الفرنسي!

السؤال هو: هل العراق في حاجة إلى قمم خارجية من أجل استقراره الداخلي؟ وهل العراق في حاجة إلى تدخل أو ضغط فرنسي؟ وفي أي اتجاه؟ وهل التدخل الإيراني التركي في الشأن العراقي عسكريًا يحتاج إلى قمم؟ ومن أي نوع؟ وما معنى غياب أطراف النزاع في العراق عن القمة؟ وما معنى عدم مشاركة قادة دول الجوار المعنية؟ تركيا وسوريا والكويت وإيران، وما معنى عدم الإشارة إلى الوجود العسكري الأمريكي في العراق؟ وعدم الإشارة إلى التدخل الغربي عمومًا في الشأن العراقي؟ وما مصير أموال العراق المهربة في الولايات المتحدة ودول الغرب بشكل عام؟

يجب أن نعترف بأن مشكلة العراق الآن دولة وشعبًا، عرقية طائفية بامتياز، أي أن الأزمة داخلية أولًا وأخيرًا، كغيره من عدد آخر من دول الجوار، العراقيون وحدهم بيدهم الحل، الكفاءات العراقية السياسية والأكاديمية ربما لا تتوافر لدولة أخرى كثيرة من دول المنطقة، بل لا تتوافر لفرنسا نفسها، التي تسعى لفرض هيمنتها في هذه المرحلة، بعد أن أضحت المنطقة ساحة للصراع، بفعل السلاح الفرنسي والغربي والأمريكي، وها هم يروجون لمزيد من السلاح والدمار تحت عناوين خادعة على مشارف دولة الاحتلال، وتحت وقع القصف والقتل على مدار الساعة.

القمة الأولى

أذكر أنني شاركت في فبراير 2018 في مؤتمر دعت إليه دولة الكويت، تحت عنوان إعادة إعمار العراق، شاركت فيه 74 جهة، ما بين دول ومنظمات إقليمية ودولية، وفي نهاية المؤتمر تعهدت الدول والجهات المشاركة بدعم العراق بنحو 30 مليار دولار، لإعادة إعمار ما دمره الغزو الأمريكي عام 2003، ثم ما دمره تنظيم الدولة (داعش)، ثم ما دمرته المواجهات الطائفية والعرقية، إلى غير ذلك من دمار شامل طال البنية التحتية هناك، إلا أنه بات واضحًا، بعد مرور أكثر من أربعة أعوام، أن العراق لم يحصل على 20% من هذا المبلغ، ممثلًا في مشاريع معظمها كويتية، في الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى 88 مليار دولار حسب الإعلان الرسمي.

وإذا علمنا أن العراق الآن، بعد إعادة تأهيل آباره النفطية، أصبح ينتج 4،7 ملايين برميل يوميًا -ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك بعد السعودية- وأن المستهدف هو 7 ملايين برميل يوميًا عام 2027، لأدركنا سر الاهتمام الغربي الآن بالعراق، وتفويض فرنسا للقيام بمهمة الاحتواء، والاستحواذ على عمليات إعادة الإعمار، والتسويق من جديد للسلاح، وغير ذلك مما قد يحاك من جديد للمنطقة، وكأن أحدًا لا يقرأ التاريخ، ولا يتذكره حتى من معاصريه.

ليس غريباً إذن، أن يُنص في البيان الختامي لقمة الثلاثاء الماضي على: (دعم جهود العراق لتحقيق التنمية الشاملة، والعمل على بناء التكامل الاقتصادي، والتعاون معه في قطاعات عديدة، تشمل الطاقة والمياه والربط الكهربائي، والأمن الغذائي والصحي والنقل، ومشاريع البنية التحتية وحماية المناخ)، في إشارة إلى أن حجم إنتاج النفط العراقي الذي يقارب 5 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام، يفسر ذلك الشغف الغربي بالعراق، وهو الأمر الذي كان ينبغي أن تتوقف أمامه دول الجوار، خاصة السعودية والكويت، برفض أي تدخل أجنبي في المنطقة من جديد، وأن أي تسوية، وأي وساطات، وأي دعم، يجب أن يكون من الداخل، داخل العراق، وداخل المنطقة.

المصدر : الجزيرة مباشر