تساؤلات جماهيرية مصرية حول سعر الدولار

 

تساؤلات حائرة سائدة بين عموم المصريين تدور حول سعر صرف الدولار المرتقب، والذي يؤثر بشدة على حياتهم المعيشية، في ضوء ارتفاع حاد بالأسعار طالت غالبية المنتجات الغذائية وغيرها سواء كانت محلية أو مستوردة فحتي ساندويتش الفول به قمح مستورد وفول مستورد، وزيت مستورد، وإضافات أخري مستوردة.

وهكذا فمن معه دولار يسأل هل يبيع الآن بعد هبوط السعر بالسوق السوداء من 38 جنيها للدولار إلى 32 جنيها، متزامنا مع تصريحات وزير المالية بأنه لا خفض جديد بسعر الجنيه، وهو ما بشر بحدوثه كثير من الخبراء قبيل موافقة صندوق النقد الدولي في السادس عشر من الشهر الحالي ولم يحدث.

ثم جاءت تصريحات هشام عز العرب الرئيس غير التنفيذي للبنك التجاري الدولي، بأن السعر العادل لصرف الدولار هو 24.70 جنيه، أي بأقل من السعر المعلن من قبل البنك المركزي بجنيهين للدولار الواحد، استنادا الي الفارق بين معدل التضخم المصري ومعدل التضخم في أبرز دول التجارة الخارجية مع مصر، لكن الدكتور محمود وهبه قال إنه لا يمكن تحديد السعر العادل للصرف بمصر، لغياب كلٍ من العرض والطلب الحقيقي الذي يمكن على أساسه تحديد السعر العادل.

فالعرض مقيد في ظل امتناع البنوك عن بيع الدولار لطالبيه لنقصه لديهم، والطلب مقيد في ظل نظام الاعتمادات المستندية الذي تتعامل به البنوك منذ شهر فبراير/ شباط الماضي وحتى الآن وتسبب في صعوبة الاستيراد، ووعد محافظ البنك المركزي بالتخلي عنه بنهاية العام الحالي، استجابة لمطلب صندوق النقد الدولي الذي يمنع تقييد التجارة الخارجية، حرصا على مصالح كبار أعضائه الموردين لمصر، والذين يحققون فائضا تجاريا معها يساعد كثير منهم ممن لديهم عجز تجاري مثل فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وإسبانيا وغيرهم.

                      رفع قيمة المساندة من 5 إلى 14 مليار دولار

وفي تصوري أن الفارق بين رأي هشام عز العرب ومحمود وهبه مع خبرة كلٍ منهما، هو جو الحرية الذي يتمتع به وهبه بينما الجو المحيط بعز العرب لا يتيح له نفس القدر من الحرية لأن يقول رأيه الحقيقي، بدليل أن البنك الذي يرأسه قام مؤخرا بخفض الحد الائتماني للسحب من الكروت الائتمانية الصادرة عنه خارج البلاد لتقليل سحب العملات الأجنبية، كتعبير واضح عن الأزمة بالبنوك التي كررت نفس المسعى، والرجل في حرج حين يشيد بسياسة المحافظ الحالي للمركزي، لأنه أعاد له اعتباره بعد أن اتهمه المحافظ السابق باتهامات مالية دفعته لتقديم استقالته.

بل إنني اعتبر اعتذاره عن منصب مستشار محافظ البنك المركزي وعودته للبنك التجاري الدولي، هو هروب من السفينة التي ترنحت خلال أول شهرين من إعلان سياسة سعر الصرف المرن، بالقفزة التي طالت سعر الدولار بالسوق السوداء لأكثر من ثلاثين جنيها خلال فترة وجيزة…

الأمر الذي دعا صندوق النقد الدولي لأن يراجع حجم الأموال المطلوبة لمساندة البنك المركزي في إدارة سعر الصرف، فبعد أن كانت 5 مليارات دولار من دول ومؤسسات دولية وإقليمية في السابع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الماضي، أصبحت قبل مرور شهر ونصف 14 مليار دولار.

وربما فضل عز العرب الابتعاد عن البنك المركزي بحيث يكون البديل الراجح لدي الجهات الرسمية والصندوق لتولي رئاسته حين يظهر إخفاق المحافظ الحالي، فهو يدرك أن السوق المصرية لها خصوصية مختلفة تساهم في تحديد سعر الصرف وقت الأزمات، بجانب العوامل الفنية التي استند إليها.

فهناك نقص حقيقي بالدولار منذ فبراير/ شباط الماضي وحتى الآن، ولا يتوقع علاج هذا النقص خلال فترة قليلة، ففي عام 2016 استغرق علاج نقص الدولار بالبنوك ستة أشهر، مع قدوم قدر كبير من الأموال الساخنة ومع طرح سندات بالأسواق الخارجية.

                         57% أرباح رسمية لحائزي الدولار

فما بالنا الآن وتلك العوامل لجلب الدولار غير متاحة، ولأن السوق يدرك ذلك فقد زاد الطلب على الدولار خاصة أن من فضلوا استمرار مدخراتهم بالدولار، قد زادت قيمة أموالهم منذ بداية العام وحتى الآن بنسبة 57%، حسب الأسعار الرسمية وتزيد عن ذلك حسب الأسعار بالسوق الموازية، بينما حصل من حولوا دولارتهم إلى جنيه مصري على فائدة مصرفية تقل عن معدل التضخم السائد، أي أن قيمة أموالهم الحقيقية قد تآكلت رغم حصولهم على العوائد.

وفي أوقات الأزمات ينشط الطلب على الدولار للمضاربة والاحتفاظ به تحسبا لنقصه بعد طول مدة نقصه منذ بدايات العام، وهو أمر لن ينتهي قبل عدة شهور مقابلة حين تلبي البنوك طلبات المستوردين، بل إنه لن ينتهي بشكل تام إلا في حالة استجابة البنوك لطلبات راغبي شراء الدولار للأغراض المختلفة كالسفر والعلاج بالخارج او شراء أدوية من الخارج أو إرسال أموال لأبنائهم الدارسين بالخارج وغير ذلك من الأسباب.

ولقد حسمت مديرة بعثة صندوق النقد الدولي الأمر في حوارها الأخير مع وكالة رويتر، بأن الصندوق قد أمهل البنك المركزي حتى نهاية العام حتى يعالج مشكلة البضائع المكدسة بالموانئ، وحتى ينهي العمل بنظام الاعتمادات المستندية بنهاية العام الحالي، وخلال المدة المتبقية من العام سيترك الصندوق للبنك المركزي استمرار التدخل لتحديد سعر الصرف حتى نهاية العام، لكنه مع بدايات العام الجديد سيتابع الصندوق تنفيذ نظام سعر الصرف المرن الدائم، وسوف يربط إرسال باقي أقساط القرض الأخير لمصر بتنفيذ نظام سعر الصرف المرن.

وفي هذا السياق يمكن تفسير حديث كل من وزير المالية محمد معيط وهشام عز العرب بأنه لا خفض جديد لسعر الصرف، أنهما كانا يقصدان أنه لا خفض جديد لسعر الصرف هذا العام، لأنه بالفعل كان حدوث خفض ثالث لقيمة الجنيه بالعام الحالي بعد خفض كل من مارس/آذار وأكتوبر/ تشرين أول، سيكون بمثابة توصيل رسالة سلبية عن الأوضاع، وهز للثقة في القيادة الجديدة للبنك المركزي أن تقوم بخفضين خلال أقل من شهرين، ولهذا فإن حدوث الخفض المرتقب في عام آخر سيكون الخفض الأول وليس الثالث!

                       توقع العودة للصندوق خلال خمس سنوات

وأقول لحائزي الدولار أو لغير الحائزين المتسائلين عن مصيره خلال الفترة المقبلة، أن الحل الجذري لمشكلة نقص الدولار مرتبط أساسا بالاهتمام بقطاعي الصناعة والزراعة والإنتاج عموما، بحيث يمكن علاج العجز المزمن بالميزان التجاري، وهو العجز الذي بلغ 37 مليار دولار خلال الشهور العشرة الأولى من العام الحالي حسب بيانات جهاز الإحصاء، ويتوقع بلوغه خلال العام بنفس تلك المعدلات 44.5 مليار دولار، رغم تقييد الواردات.

أما الاعتماد على بدائل أخري مثل السماح للمغتربين بإدخال سيارات، بدون رسوم نظير إيداع قيمة الرسوم بلا فوائد لمدة خمس سنوات، وبيع أراضي وشقق للمصريين بالخارج بالدولار، ورفع الفائدة على الودائع الدولارية، ومحاولة تأسيس شركة لاستثمار أموال المصريين بالخارج، فكل تلك الحلول جزئية غير كافية وها هو مشروع سيارات المغتربين يحقق 62 مليون دولار في خمسة أسابيع رغم أن مدته أربعة أشهر فقط.

كذلك فإن روشتة الصندوق المصاحبة للقرض الأخير لا تركز على قضية الإنتاج، وتركز على ضبط الإنفاق العام وخفض الدعم وزيادة الضرائب، ورفع سعر الفائدة لمواجهة التضخم والمزيد من الإفصاح بالشركات العامة، وبالطبع سيتسبب رفع الفائدة في تحجيم الاستثمار الداخلي والتأثير السلبي على التشغيل وبالتالي زيادة الواردات.

ولهذا نتوقع استمرار المشكلة والعودة لتوقيع اتفاق جديد مع الصندوق خلال أربع أو خمس سنوات، بعد فشل اتفاق 2016 الذي لم يفلح في علاج العجز التجاري بل زادت قيمته خلاله، كما زادت الديون الداخلية والخارجية من بعده، حتى أدت صعوبة الاقتراض الخارجي إلى اللجوء لبيع الأصول للصناديق السيادية الخليجية وهو ما لم يحدث عام 2016.

وأقول للمتسائلين عن مصير الدولار في مصر، إن مشكلة نقص الدولار في مصر ظهرت عام 1968 واستمرت منذ ذلك الحين تشتد وتهدأ، وفي كل مرة يتم خفض جديد لسعر الجنيه أمام الدولار لاحتواء السوق السوداء، التي ما تلبث أن تعود مرة أخري عندما تعجز البنوك عن توفير الدولار لطالبيه.

وحتى في حالة البدء بالاهتمام بقطاع الإنتاج -وهو ما لم يحدث بعد- فإن الأمر يحتاج إلى خمس سنوات حتى يتحسن معدل الصادرات إلى الواردات، البالغ خلال الشهور العشرة الأولى من العام الحالي 53%، رغم تقييد الواردات منذ شهر فبراير/ شباط حتى الآن، فالمشكلة مستمرة ولن تحلها القروض الخارجية التي تتجه إلى أمور لا تدر موارد دولارية لدفع الأقساط والفوائد.

والنتيجة بلوغ قيمة أقساط وفوائد الدين الخارجي، خلال العام الحالي حسب بيانات البنك المركزي المصري 48.7 مليار دولار، منها 15.7 مليار دولار قروض متوسطة وطويلة الأجل و33 مليار دولار قروض قصيرة الأجل، وإذا كانت الحكومة تقوم بجدولة بعض تلك القروض وتؤجل سدادها، ففي ذلك تكلفة إضافية مع زيادة الفوائد عليها وترحيل للمشكلة للأجيال القادمة.

المصدر : الجزيرة مباشر