حوار المذاهب.. عُمان نموذجًا ومسؤولية شيخ الأزهر

ما أن أطلق فضيلة الإمام شيخ الجامع الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، نداءً الشهر الماضي، إلى علماء الدين الإسلامي، على اختلاف مدارسهم وطوائفهم ومذاهبهم، على حد قوله، للمسارعة إلى عقد حوار إسلامي إسلامي جاد، من أجل إقرار الوحدة والتقارب والتعارف، حتى صدر على الفور ردّ إيراني يشيد بهذا النداء، ويدعوه إلى زيارة إيران، ويعلن الرغبة في إرسال وفد إلى القاهرة لبحث التفاصيل التي وردت في هذا النداء، خاصة تلك المتعلقة بنبذ أسباب الفتنة والفرقة والنزاع الطائفي، وذلك لأن الإمام الطيب كان محدِّدًا عندما قال: هذه الدعوة أتوجه بها إلى إخوتنا من المسلمين الشيعة.

وكان شيخ الأزهر، قد دعا من قبل في مايو/ أيار عام ٢٠١٤ إلى حوار بين أتباع المذاهب الإسلامية يقودهم إلى “طريق الوحدة الوطنية والإسلامية ونبذ الخلافات المذهبية”، مطالبًا بأن يكون ذلك “قبل إجراء الحوار بين أبناء الأديان السماوية وأتباع الحضارات”، وهو الحوار الذي أقيم الشهر الماضي، بينما لم ير حوار المذاهب النور!! على الرغم من حاجة الشارع الإسلامي، وبشكل خاص العربي إليه في هذه المرحلة التي تشهد تصعيدًا كبيرًا في لغة الكراهية والمواجهات، ليس بين العواصم أو الأقطار المختلفة فحسب، وإنما داخل القطر الواحد.

أعتقد أن الدعوات المتكررة من شيخ الأزهر في هذا المجال، كان يجب أن يعقبها على الفور إجراءات عملية على أرض الواقع، ما دام الطرف الآخر -إيران التي تمثل الشيعة- قد أبدى ترحيبًا بهذا الشكل الواضح، اللهم إلا إذا كانت هناك جهة ما تقف بالمرصاد لمثل هذه الأطروحات أو هذا التقارب، وهو ما يجب أن يكون واضحًا للرأي العام العربي والإسلامي، خاصة أنه قد بدا جليًّا أن ما يسمى بحوارات الثقافات، وحوارات الشرق والغرب، والأخوة، والتعايش الإنساني، وغير ذلك من مسميات، تذهب جميعها أدراج الرياح مع أول اختبار، وكان مونديال قطر خير شاهد على مدى الشطط الغربي في هذا الصدد.

حوار الأديان:

أذكر أن العاصمة الإسبانية مدريد استضافت في يوليو/ تموز عام 2008، حوارًا للأديان، دعا إليه وافتتحه العاهل السعودي الراحل، الملك عبد الله بن عبد العزيز، بحضور ملك إسبانيا خوان كارلوس، وشارك فيه علماء من الديانات الثلاث، الإسلام والمسيحية واليهودية، إضافة إلى ممثلين من طوائف الهندوس والبوذيين وغيرهم من ذوي النحل الأخرى، وكان ذلك في حد ذاته موضع انتقاد، لأن الحوار خرج قبل أن يبدأ عن العنوان الرئيسي المتعلق بالأديان، أو بأهل الكتاب.

في هذا المؤتمر قام أحد القيادات الكنسية من الولايات المتحدة الأمريكية متحدثًا، وكان أكثر وضوحًا وصراحة من الآخرين، فقال ما نصه: “نحن في المسيحية لن نعترف بأن الإسلام ديانة، ولا بأن محمدا نبي، ولا بأن القرآن كتاب منزل من السماء، وفي المقابل فإن المسلمين لن يعترفوا أبدًا بأن عيسى ابن الله، فلماذا الحوار إذن؟!”، وهو ما يشير إلى فجوة عميقة لم تستوعب حتى مجرد احترام الآخر، على قاعدة من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، الذي كان هدف الحوار لا أكثر ولا أقل.

وقد يكون من غير المنطقي الآن تحديدا، استضافة هذه الدولة أو تلك لحوارات بين الأديان أو بين الثقافات، في الوقت الذي تعاني فيه داخليًّا من انقسامات داخل الدين الواحد أو ربما المذهب الواحد، وهو الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في فقه الأولويات على كل الأصعدة، وفي مقدمتها الصعيد السياسي، الذي يجب أن يعترف بأن هذه الأزمة الدينية قد ألقت بظلالها سياسيًّا على كل مناحي الحياة بالمنطقة العربية، نتيجة عوامل كثيرة، أهمها أنها قد وجدت شحنًا ودعمًا من خارج المنطقة، وصل بها إلى حد المواجهات المسلحة، إضافة إلى تشدد وصل إلى حد التطرف على الجانبين.

هذا التطرف الحاصل الآن، على منابر المساجد، مرورًا بمنتديات وجمعيات ومراكز ثقافية، وحتى وسائل الإعلام الرسمية، جعل من مواقع التواصل الاجتماعي على سبيل المثال، ساحة للمبارزة، فلا يجد روادها قضية من هذا النوع، إلا تباروا بكل مفردات اللغة العربية والأعجمية، دفاعًا عن معتقدات ربما لم تنل حظها قط من الدراسة والبحث، وأصبح التكفير من الأمور البديهية بين أصحاب كل مذهب، بعد أن ضربت الطائفية العقل العربي شرقًا وغربًا.

سلطنة عمان تضرب المثل

من هنا أعتقد أن فضيلة شيخ الأزهر يصبح مطالبًا بإعمال فقه الأولويات، وهو المحيط الأسري والعائلي والمذهبي والوطني والإسلامي أولًا، ذلك لأنه بدا واضحًا القفز طوال العقود السابقة إلى فضائيات لا نهائية من حوارات للمجاملة، لا تسمن ولا تغني من جوع، في وجود أزمات مذهبية داخلية أكثر إلحاحًا، على أن تكون أروقة الأزهر الشريف مقرًّا لمثل هذه الحوارات، أو اختيار إحدى عواصم الدول الأكثر تسامحًا في المنطقة، كسلطنة عمان لاستضافتها، حتى يلقى الأمر قبولًا من حيث المبدأ.

وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن سلطنة عمان ضربت المثل في المنطقة فأصبحت نموذجًا يحتذى به في التعايش السلمي بين الطوائف المختلفة، منذ قيادة الراحل السلطان قابوس بن سعيد -رحمه الله- مرورًا بقيادة السلطان هيثم بن طارق، ليس ذلك فقط، بل أصبحت عُمان تعمل على الوساطة هنا وهناك بين أطراف النزاعات، وهو ما يؤهلها لتحمل مثل هذه المسؤولية، تحت رعاية المفتي المشهود له بالخير، الشيخ أحمد الخليلي، الذي بدا متجاوبًا بشكل لافت مع الأحداث والتطورات إقليميًّا ودوليًّا.

هي إذن مسؤولية شيخ الجامع الأزهر بالدرجة الأولى، لما له من قبول واضح في كل العواصم العربية من المحيط إلى الخليج، بل في كل أنحاء العالم الإسلامي، فلا ينبغي أن يتوقف الأمر عند مجرد نداءات وأمنيات ببدء الحوار، خصوصًا بعد أن أبدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية استعدادها لتلبية نداء فضيلة شيخ الأزهر، الذي نثق بأنه لا يخشى في الله لومة لائم، ولن يجامل التائهين في الأرض، أو غيرهم من المتأسلمين، على حساب الإسلام والمسلمين.

 

المصدر : الجزيرة مباشر