الأوراد اليومية لاستقامة اللسان باللغة العربية

 

اعلم ــ متّعني الله وإياك بالعقل الرّاشد والقلب النّاصح ــ أنّ اللّسان لا يستقيم باللّغة وينطلقُ بها في فضاءات التّخاطب بمعرفة آلاتِها وإتقان قواعدها من النّحو والصّرف والبلاغة والإملاء فحسب، بل لا بدّ من استخدامٍ يوميّ منهجيّ وتَعاهُدٍ عمليّ يتحرّك به اللّسانُ مقترنًا بالعقل الضّابط للحركات والقلب المقبلِ على اللّغة فينال بهما البركات.

وهذه أورادٌ أضعُها بينَ يديكَ لا على سبيل العبادة المقصودة بل على سبيل العادة المطردة، والثّبات عليها والتحوّل بها من العادة الثّقيلةِ إلى التعلّق المحبوب سيسهمُ في إثراء خزينتك باللّغة وسيتضاعف عندها رصيدُك ويربو ربًا حلالًا.

على أنّني قبل أن أضع بين يديك هذه الأورادَ اليوميّة؛ فإنني أوصيك في التّعامل معها بأمورٍ ثلاثة؛ المصابرة ومغالبة النفس الميّالة إلى التّحلل من كلّ التزام في تطبيقها، والمرابطة بالثّبات والمداومة فلسانُك من أغلى الثّغور المقصودِ بالمحافظةِ عليه فلا تضيّعه، واحرص في تنفيذها على أن تجتمع فيها حواسّك الثّلاثة؛ البصرُ والسّمع والنّطق، فكلّما اجتمعت حواس أكثر على فعلٍ واحدٍ زادَ في النفسِ رسوخًا وكان على اللسان أكثر مرونة وانطلاقًا، فاقرأ واسمع وانطق جهرًا كلّ وِردٍ من الأوراد الآتية.

الوِردُ الأوّل: ثلاث صفحات من القرآن الكريم

ولا أتحدّث هنا عن وِردكَ اليوميّ من ترتيل كتاب الله تعالى أو تدبّره، بل عن وِردٍ تقرؤه على وجهٍ يُقيمُ لسانَك، فلتكن هذه الصّفحات الثّلاثة أولًا مسموعةً من قارئٍ حصيف متقن، ثمّ رتِّلها معه أو ردّد كلّ آيةٍ وراءه كما لو كنتَ بين يديه متعلّمًا، وأقترحُ عليك أحد قارئين من أعلام الإتقان التعليمي وهما محمود خليل الحصري أو محمّد صدّيق المنشاوي بالنُّسخ المُرتَّلة لا المجوَّدة، ويمكنك أن تتعامل مع المصحف المعلّم للمنشاوي الذي يقرأ الآية ويردّدها بعده صوتُ طفلٍ فاقرأ الآية معه، وبالمناسبة صوتُ الطفل هذا هو ليس إلّا صوت المنشاوي نفسه وقد تعاملت معها التقنيات لتحول صوته لهذا الشّكل لغاياتٍ تعليميّة.

الوِردُ الثّاني: ثلاثة أحاديث من كتاب رياض الصّالحين

وهي ثلاثةُ أحاديثُ تقرؤُها في اليوم قراءةً جهريّةً بعدَ أن تسمع كلّ واحدٍ منها بقراءةٍ سليمة، وأقترحُ عليك القراءة الصوتيّة لكتاب رياض الصّالحين بصوت الأستاذ حمد الدّريهم، بحيث تسمعُ الحديثَ بصوته وأنتَ تقرؤه من الكتاب، ثم تعيدُ قراءته بصوتٍ مسموع، ثمّ تعيدُ سماعه مرّة أخرى لتقويم قراءتك، على أن تعيد قراءة الحديث إن ظهر لك غلطٌ في نطقكَ لكلمةٍ فيه، وتكرّر القراءة حتّى تقرأه دون أيّ غلط فتنتقل إلى الذي يليه.

الوِردُ الثّالث: صفحةٌ معجميّة

احرص على ألّا ينقضي يومُك إلّا وقد قرأتَ فيه صفحةً من معجم من معاجم اللّغة بعد أن تسمعها فقرةً فقرة، وكلّما سمعت فقرةً أعدت قراءتَها، وأقترحُ عليكَ معجم مقاييس اللغة لابن فارس؛ على أن تقرأ منه كلّ يومٍ صحيفةً واحدةً بقلبٍ وعقلٍ حاضرَين بعدَ سماعِها بانتباهٍ وتركيز، ففي قراءة المعجم إثراءٌ لرصيدك اللّغويّ وإطلاقٌ للسانِك من الإرتاج بسببِ غياب المفردات والألفاظ.

الوِردُ الرّابع: صفحةٌ من فقه اللّغة

ليكن لكَ بعد القراءة من المعجم قراءة صحيفة واحدة من كتاب فقه اللغة وسرّ العربيّة للثعالبي؛ واقرأها جهرًا تُسمِعُ فيها نفسَك، واحرص على القراءة من نسخةٍ محقّقة مضبوطة بالشّكلِ التّام.

والقراءة في فقه اللّغة فيها من الإثراء اللغوي ما لا تجده في غيره من كتب اللّغة ومصادرها فلا تفرّط بها.

الوِردُ الخامسُ: خمسةُ أبياتٍ من شعرِ العرب

ليكن من أورادك في اليوم سماع خمسة أبيات من شعر العرب وترديدها بعد سماعها بطريقةٍ جهريّة، وإنّي مُرشدُكَ إلى قناتين على “اليوتيوب” تسمع منهما الشّعرَ بصوتٍ واضحٍ وقراءةٍ دقيقةٍ معبّرة، هما قناة الأستاذ عارف حجّاوي، فيها قراءة لمختارات شعريّة لعددٍ من الشّعراء، وقناة الأستاذ فالح محمّد القضّاع وفي قوائم التشغيل فيها بوّابة “عيون الشّعر” وفيها قصائد بديعةٌ تُعرَض مع الإلقاء مكتوبةً مضبوطةً بالشّكل، فعليك بخمسة أبيات كلّ يومٍ تسمعها وتقرؤها مع الملقي وأنت تسمعها، وإن جاهدت نفسَك قليلًا فحفظتَها فذلك أعظم بركةً وأرسخُ أثرًا.

الوِردُ السّادس: نصٌّ نثريّ واحدٌ في اليوم.

اقرأ في يومك نصًّا نثريًّا واحدًا من النّصوص الأدبيّة الثريّة، ففي قراءة هذه النّصوص بناء الذّوق الرّفيع وإطلاق الخيال وصناعة القدرة التعبيريّة، وأقترح عليك كتابين جمعَا نصوصًا من عيون الأدب والنّثر العربيّ هما “مختارات من أدب العرب” لأبي الحسن النّدوي، وكتاب “مختارات من النّثرِ العربيّ” للدّكتورة وداد القاضي.

الوِردُ السّابع: لا تترك كتابة صفحةٍ في آخر يومك

قبلَ أن تخلدَ للنّوم اكتب صفحةً واحدةً تضمّنها أهمّ ما فعلته في يومك، أطلق لخيالك العنان واستحضر ما سمعته وقرأتَه في يومك واستخدم الألفاظ التي علقت في ذاكرتِكَ من قراءاتِك ومسموعاتك في يومك ذاك وأنت تكتبُ هذه الصّحيفة.

ستشعر بصعوبة الأمر في البداية، ألزِم نفسكَ واقهرها واكتب، واحتفظ بكلّ ما تكتبه وبعد أربعة أشهر قارن ما كتبته يومها بما كتبتَه يومَ بدأتَ لتعاينَ الفرقَ الحقيقيّ في ثروتك اللغويّة وقدرتك التعبيريّة.

هذه وصفةٌ يوميّةٌ فيها سبعةُ أوراد خفيفة، وكلّ ما فيها من عناوين مقترحة لا يُقصد بها الحصرُ بها وإنّما هي على سبيل التّمثيل والاقتراح، وتنفيذ هذه الأوراد لا يأخذ بمجموعه من وقتك في اليوم أكثر من ساعةٍ ونصف، وعند تفريقها تغيب على مدار يومك الذي يضيعُ فيه أكثر من هذا الوقت بكثير، فقليلٌ من الهمّة والعزيمة ستكون ثمرته لسانًا ينطلق بالعربيّة حديثًا وتعبيرًا؛ فلا تضيّع على نفسكَ الفرصة.

المصدر : الجزيرة مباشر