عالم في حرب.. المواجهة في أوكرانيا والاستعداد في اليابان

 

في الرابع والعشرين من فبراير/شباط 2022، بدأت روسيا الاتحادية عدوانا عسكريا على الأراضي الأوكرانية، تحت مظلة عدد من التبريرات التي تدفع بها روسيا من قبيل الدفاع عن أمنها القومي، وحقوقها التاريخية في الأراضي الأوكرانية، وبدأ كل طرف يحشد أدواته وقدراته وتحالفاته، وأصبح العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه، في مواجهة مفتوحة واستعدادات مكثفة، تعود بالذاكرة إلى وضع العالم قبل الحرب العالمية الأولى، بين عامي 1885 و1914، وكذلك وضع العالم قبل الحرب العالمية الثانية بين عامي 1919 و1939.

واستنساخا للتجارب والخبرات، مع اختلاف الأطراف والتحالفات، وكذلك طبيعة المتغيرات والأدوات، نجد مسرح العمليات والمواجهة في شرق القارة الأوربية على الأراضي الأوكرانية، بينما الاستعداد والترقب في اليابان التي أعلنت في السادس عشر من ديسمبر/كانون الأول 2022 عن عقيدتها الأمنية الجديدة، التي كشفت عما يمكن وصفه بتحولات استراتيجية مقارنة بما كان سائدا في البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 وحتى ما قبل بداية الحرب الأوكرانية 2022.

من الدفاع إلى الهجوم.. أفكار وتحديات

تضمنت استراتيجية الأمن القومي الياباني الجديدة للسنوات الخمس القادمة (2022 ـ 2027) عددا من المنطلقات والركائز الأساسية، من بينها:

1ـ رصد ميزانية تقديرية 300 مليار يورو للإنفاق العسكري خلال 5 سنوات، بزيادة 56% عن السنوات الخمس السابقة (2017- 2022) بهدف امتلاك قدرات عالية على شن هجوم مضاد بأسلحة قادرة على استهداف مواقع إطلاق صواريخ العدو، وفي هذا السياق يأتي التحرك الياباني لشراء 500 صاروخ توماهوك كروز من الولايات المتحدة وصواريخ “إس إم-6” طويلة المدى، وذلك في حال وجود خطر حتمي على اليابان، أو خطر على دولة صديقة يقود إلى خطر حتمي على اليابان، وألا توجد وسيلة أخرى لتفادي الضربات المعادية، مع النص على أن يكون الرد بالحد الأدنى الممكن.

2- نشر أكثر من ألف صاروخ كروز طويل المدى، وتحسين صواريخها المضادة للسفن من النوع 12 والمركّبة على شاحنات، والتي طورتها مجموعة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة اليابانية، لكن مداها الحالي لا يتجاوز 200 كيلومتر، وكذلك تطوير صواريخ “فرط صوتية” تُحلق بسرعة أكبر 5 مرات من سرعة الصوت (ماخ 5).

3- بناء نحو 130 مستودعا جديدا للذخيرة على أراضيها بحلول عام 2035 لاستيعاب صواريخ “الهجوم المضاد” وغيرها من الأسلحة.

4- تعزيز الوجود العسكري في الجزر الواقعة في أقصى الجنوب، الأقرب إلى تايوان والبر الرئيسي للصين، من خلال مضاعفة وحدات قوات الدفاع الذاتي المجهزة بقدرات اعتراض الصواريخ الباليستية، وزيادة عدد جنودها المتمركزين في مقاطعة أوكيناوا في الطرف الجنوبي الغربي من الأرخبيل، من ألفين إلى ثلاثة آلاف جندي.

5- وضع قوات الدفاع الذاتي البرية والبحرية والجوية اليابانية تحت قيادة موحدة من أجل الاستجابة بسرعة أكبر لحالات الطوارئ، وتسهيل استخدام الجيش للموانئ والمطارات المدنية في البلاد حتى في أوقات السلم.

6- إنشاء وحدات متخصصة جديدة من قوات الدفاع الذاتي، تكون مسؤولة عن الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية.

7- تحسين القدرات على جمع المعلومات والرد على الأسلحة عالية التقنية مثل القنابل المحلقة والأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، وتطوير طائرة مقاتلة من الجيل التالي بحلول عام 2035 مع المملكة المتحدة وإيطاليا.

8ـ مضاعفة الميزانية الدفاعية السنوية التي تبلغ حاليا نحو 1% من إجمالي ناتجها المحلي، لتصبح 2% بحلول 2027، بما يتوافق مع الالتزامات المماثلة التي تبنتها الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

اليابان وقائمة الأعداء المحتملين

لقد نصت استراتيجية الأمن القومي الياباني على قائمة بأهم الخصوم الذين يشكلون تهديدا استراتيجيا مستقبليا لليابان، وتشمل كلا من الصين وكوريا الشمالية وروسيا، فذكرت أن الموقع العسكري للصين يزداد قوة ويشكل مصدر قلق كبير لليابان والأسرة الدولية، وتحديا استراتيجيا غير مسبوق لسلام اليابان واستقرارها.

وفي مواجهة التهديد الصيني، أكدت الاستراتيجية على مضاعفة أعداد قوات الدفاع الذاتي في الجزر الواقعة في أقصى جنوب اليابان والأقرب إلى تايوان المتنازع على سيادتها بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، كما ستضاعف اليابان حجم وحدات اعتراض الصواريخ الباليستية، وخاصة مع تزايد المخاوف اليابانية بعدما كثّفت الصين التدريبات العسكرية بالقرب من تايوان، وسقوط عدد من الصواريخ الصينية في المنطقة الاقتصادية الخالصة للأرخبيل الياباني.

وحول كوريا الشمالية، أكدت استراتيجية الأمن القومي أن الأعمال العسكرية الكورية تشكل تهديدا خطيرا ووشيكا لليابان اليوم أكثر من أي وقت مضى، كما يتزايد الشعور بالخطر من روسيا لأن استعدادها لاستخدام القوة لتحقيق أهدافها الأمنية الخاصة -كما هو الحال في أوكرانيا- واضح، ونشاطاتها العسكرية في منطقة آسيا والمحيط الهادي وتعاونها الاستراتيجي مع الصين، كلها أمور من شأنها أن تشكل مصدر قلق كبير للأمن الياباني.

الاستراتيجية اليابانية بين الرفض الصيني والترحيب الأمريكي

كان طبيعيا أن تتفاوت ردود الفعل الإقليمية والدولية تجاه الاستراتيجية الأمنية الجديدة لليابان، وخاصة من الصين والولايات المتحدة، فالصين التي عانت من ويلات الاحتلال الياباني قبل الحرب العالمية الثانية، وتتحدث في وثائقها الأمنية والعسكرية عما تسميه النزعة العسكرية اليابانية الوحشية في النصف الأول من القرن العشرين، التي كانت الصين من ضحاياها، أعلنت رفضها للاستراتيجية الجديدة، وذكرت أن اليابان تتجاهل الحقائق وتبتعد عن التفاهمات المشتركة وعن التزامها بعلاقات ثنائية جيدة، وتشوه سمعة الصين.

حيث تتخوف الصين من تحوّل اليابان من النهج الدفاعي الذي ظلت ملتزمة به منذ 1945 وحتى بدايات العام 2022، إلى تبني سياسات هجومية، والدخول في تحالفات عسكرية من شأنها أن تدفع باتجاه عسكرة جنوب شرق آسيا، وخاصة في ظل العلاقات الاستراتيجية بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية التي اعتبرت هي الأخرى في استراتيجيتها للأمن القومي التي أعلنت عنها في أكتوبر 2022، الصين هي التهديد الاستراتيجي للولايات المتحدة وهمينتها على قمة النظام الدولي.

وهو ما يعني أن استراتيجية الأمن القومي الياباني 2022 بمثابة امتداد جيو-استراتيجي لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2022، ومن هنا جاء الترحيب الأمريكي بالاستراتيجية اليابانية، حيث ذكر مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جيك سوليفان أن “هدف اليابان المتمثل في زيادة استثماراتها الدفاعية بشكل كبير سيعزز التحالف الأمريكي الياباني ويحدّثه”.

اختلاف التحالفات واستمرار الصراعات

خلال الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة العدو الاستراتيجي الأكبر والأخطر لليابان، ولم تنجح في القضاء على القوة اليابانية إلا بعد استخدام القنابل النووية في هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين في أغسطس 1945، وإعلان استسلام اليابان بعد إذلالها عسكريا وتسريح جيشها وتفكيك مؤسساتها العسكرية.

هذا في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة حليفا استراتيجيا للثوار الصينيين الرافضين للاحتلال الياباني، وقدّمت لهم أمريكا الدعم المالي والعسكري واللوجيستي لطرد اليابانيين من أراضيهم.

اليوم وبعد مرور 77 عاما على نهاية الحرب العالمية الثانية، ومع دخول العالم في مخاض حرب عالمية ثالثة، الولايات المتحدة حليف استراتيجي لليابان وعدو استراتيجي للصين، لتتأكد مقولة “عدو الأمس صديق اليوم، وصديق الأمس عدو اليوم”، ويبقى الرابط بين المعادلتين هو الطرف الثالث الأمريكي الذي يمتلك القدرة على إدارة التحالفات وتغيير قواعد التوازنات، بما يضمن له استمرار التفوق والهيمنة، حتى لو تحولت كل دول العالم إلى مسارح للعمليات وأراضٍ للحروب والصراعات.

المصدر : الجزيرة مباشر