مراجعات القرضاوي.. من العمليات الاستشهادية إلى الزواج بنية الطلاق!

من أهم ما امتاز به العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، وجعل فقهه وفكره موضع تقدير واحترام وتأثير، أنه دائم المراجعة لما يصدر عنه من أفكار وفتاوى، ويتقبل النقد العلمي. وربما قبل العالم أو الفقيه المراجعة من أترابه، أو من أساتذته، لكن الأكثر دلالة على عظمة الفقيه وسعة صدره، هو أن يقبل مراجعة تلامذته لآرائه، أو ينزل على رأي فقهي أو مشورة علمية منهم. وقد كانت هذه الصفة بارزة واضحة في القرضاوي بشكل مبهر.

فكثيرا ما كنت أرى فتاوى أو آراء علمية للقرضاوي، ثم أراه قد اتخذ موقفا فقيها آخر غير السابق، وعند التفتيش عما وراء تغيير رأيه الفقهي، قد أجد أنه راجع نفسه بنفسه، فاقتنع برأي آخر في المسألة الفقهية، وهذا ما يشترك فيه كثير من الفقهاء في مراجعاتهم، لكن الملاحظ أن هناك عددا من الفتاوى لدى القرضاوي أو الآراء الفقهية، كانت حصيلة مراجعات له مع تلامذته، ممن يصغرونه سنا وعلما، ولكنه وجد الدليل أو الحق الفقهي أقرب لما يقوله أحد تلامذته، فلم يجد حرجا في تبني هذا الموقف. ونتناول في مقالنا اليوم من هذا النوع بعض هذه الفتاوى المتعلقة بفقه الأقليات المسلمة في الغرب.

العمليات الاستشهادية في فلسطين

كان الاحتلال الصهيوني في ممارساته لا يلتزم بميثاق حقوقي دولي، ولا يصغي لشجب أو استنكار من أي جهة دولية، وزاد وعلا تجبره، وضاقت بأهل المقاومة في فلسطين السبل، فخرج في فترة التسعينيات من القرن الماضي ما أطلق عليه إعلاميا العمليات الانتحارية، وهو أن يفجر الفلسطيني نفسه في عساكر الاحتلال، أو في حافلات صهيونية، وأطلق عليه أهل المقاومة في فلسطين العمليات الاستشهادية، فمن يقوم بالعملية ينوي بها الاستشهاد لا الانتحار.

وفوجئ الناس بخروج مشايخ يحرمون هذه العمليات وتجرمون أصحابها، وكان كثير منهم من المحسوبين على السلطات العربية، وبعضهم كان مستقلا يعبر عن رأيه، لكنه لا يعرف بتضلعه في الفقه السياسي، ولا الاطلاع على مجريات الحياة ومستجداتها، ولذا بنى معظمهم رأيه على نصوص تتعلق بتحريم الانتحار. وهناك فرق واضح بين الانتحار ومقاومة العدو، بغض النظر عن الوسيلة التي تستخدم، حسب فتوى القرضاوي، وهو ما انبرى للتدليل عليه وتوضيحه، ووقوفه مع المقاومة بإباحته هذه العمليات بضوابط مهمة.

بعد سنوات، كنا في جلسة مع الشيخ، وقد جلس أحد تلامذته يناقشه وهو الدكتور خالد حنفي، ويطلب منه مراجعة هذه الفتوى والتراجع عنها، حيث إن الفتوى أحدثت أضرارا في الاستدلال الفقهي، والتنزيل الفقهي كذلك، فأصبحت هناك جماعات متطرفة تستخدمها وتتوسع في ذلك توسعا يصل إلى الأبرياء دون المعتدين، كما أن بعض أحزاب اليمين المتطرف في أوربا بدأت تهاجم بعض المراكز الإسلامية، بدعوى أن هذه المراكز تأخذ بفتاوى القرضاوي، وهو صاحب فتوى العمليات، رغم أنهم ينزعون كلامه من السياق الحقيقي، ورغم أن هذه المراكز لا تعلن القرضاوي مرجعية فقهية في كل ما يقول وما يصدر عنه.

اقتنع القرضاوي بوجهة النظر هذه تماما، وقال: إنني قلتها وقتها ردا على من جرموا وحرموا ذلك للمقاومين، وقد كانت ضد معتدين، وليست ضد أبرياء ومدنيين، وكانت في وقت لم تكن فيه للمقاومة أسلحة تصنعها، والآن لا أرى ذلك ولا أقول به، حيث إن البدائل التي تجنب فقدان روح الإنسان موجودة، وهي الأولى.

وبالفعل غير رأيه، وكان لا بد من إعلان الرأي الجديد في المسألة، وكان للشيخ سلمان العودة برنامج في قناة إم بي سي، وبرنامج آخر على قنوات أخرى، فجلب معه كاميرات التصوير، وأجرى حوارا مطولا مع القرضاوي، وكان من بين الأسئلة التي طرحت موضوع العمليات الاستشهادية، فأعلن فيها القرضاوي رأيه الجديد، مبينا أسباب رأيه القديم وظروفه وملابساته.

التعامل بالقروض الربوية في الغرب للضرورة

من المعلوم أن القرضاوي من أكثر الفقهاء المعاصرين تشددا في قضية فوائد البنوك، ولكن منذ سنوات ناقش المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث قضية: شراء البيوت للسكنى بالقرض الربوي، وقد كان القرضاوي يمنع ذلك، ولكنه بعد مراجعة بعض تلامذته له في الأمر، رأى أن هناك آراء تتسع لأن يجيز الفقهاء المعاصرون ذلك للضرورة لمن يشتري بيتا للسكنى في أوربا، وبخاصة أن الفائدة التي تدفع لسنوات طويلة، أكثر منفعة للمسلم هناك؛ لأنه سيدفع في نفس المدة مالًا أكثر في الإيجار من دون أن يمتلك بيتًا.

في هذه الآونة كان القرضاوي قد استدل برأي الأحناف في جواز التعامل بالربا في دار الحرب، وقد قرأ فتوى في ستينيات القرن العشرين في مجلة “المسلمون” لأحد علماء الهند تجيز لهم التعامل بالربا في بلاد الغرب بناء على هذا الرأي، ولكن المجلة لم تكن تحت يد الشيخ، فسألني عنها، وبحثت فلم أعثر عليها في أعداد المجلة الموجودة عندي، حتى أتيت إلى إسطنبول في سنة 2014م، وبينما كنت أزور إحدى مكتباتها التي تبيع الكتب العربية والتراثية، وصاحبها كتبي معروف هو السيد مولود جيلان، وجدت عددا من مجلة “المسلمون” أصابته الرطوبة والعطب، فسألته عن ثمنه، فقال خذه بلا ثمن، فهو تالف، وعندما تصفحت المجلة وجدت فيها الفتوى التي كان يبحث عنها الشيخ منذ عشرين عاما أو يزيد وقت كتابته فتوى شراء البيوت بالقروض في الغرب، فصورتها وأرسلتها إليه.

لكن القرضاوي رأى أن تقتصر فتواه وفتوى المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث على شراء البيوت للسكنى فقط، وليس للاستثمار، ومنع ذلك في بناء المساجد، وقد جمعنا به لقاء آخر للنقاش، وكان أيضا خالد حنفي هو الذي فتح الموضوع وأسهب في بسط رأيه فيه، ومعه بعض تلامذة الشيخ المقيمين في أوروبا، وطلب خالد من الشيخ أن يراجع مسوغات الفتوى واستدلالاتها، لأن اقتصارها على باب الضرورة للبيوت السكنية فقط تضييق، فالأولى أن تدخل فيها المساجد لحاجة المسلمين إليها، وهي حاجة لا تقل عن حاجتهم إلى السكن.

وكانت وجهة نظر القرضاوي أنه لم يعمم في الأمر ويدخل فيه المساجد، حتى لا يشغب المتشددون في المسألة، ويشيعون بين الناس أنها مساجد مبنية بالربا، ويمتنع الناس عن الصلاة فيها، فيتحقق بذلك ضرر من وراء هذا التشغيب، وإن كان الشيخ قد اقتنع فعلا بالرأي.

الزواج بنية الطلاق

انتشر في بعض البلاد الغربية ما سمي بالزواج بنية الطلاق، وهو أمر يلجأ إليه بعض الطلاب العرب الذين يبتعثون من بلادهم للدراسة أو العمل المؤقت في أوربا، ثم يريد أحدهم الزواج من أوروبية مسلمة أو كتابية، ولكن ليس بنية التأبيد، بل يضمر في نفسه الطلاق وينوي إنهاء هذا الزواج عندما تنتهي مهمته الدراسية أو العملية بالعودة لبلاده، وهي مسألة شاعت وانتشرت مع كثرة البعثات الطلابية إلى بلاد أوروبا.

وهي مسألة خلافية بين الفقهاء، فقد رأى كثير من الفقهاء جواز عقد الزواج بهذا الشكل، ورفضه بعضهم. وكانت وجهة نظر الشيخ الأخذ برأي جمهور الفقهاء الذي يجيز ذلك، ولكننا راجعناه فيها أيضا، وبخاصة تلامذته ممن يقيمون في الغرب، الذين بيّنوا له أن آثار مثل هذه الآراء في الغرب كارثية على الإسلام والمسلمين، في نظرة الناس وتصورهم عن الإسلام وأهله.

وهو ما كاد يلمح إليه القرضاوي في آخر كتبه وبخاصة كتابه عن الأخلاق، وإن لم تراجع عن رأيه صراحة، علمًا بأنه في رأيه من قبل لم يجز هذا الزواج إلا من باب الضرورة، وأنه لعل بعضهم ينوي ذلك في أول الزواج، ولكن مع العشرة يقتنع بالأمر ويستمر، ولا ينهي الزواج بعد ذلك.

هناك مسائل كثيرة جدا تتعلق بمراجعات القرضاوي الفقهية في باب فقه الأقليات المسلمة في الغرب، وقد ذكرت هنا بعضها، كما أن هناك فتاوى أخرى راجع القرضاوي فيها كثيرون من تلامذته، لكن ظروفهم الآن لا تسمح بذكر هذه المواقف، وهو ما أراعيه حفاظا عليهم، على أن أذكرها في أقرب مناسبة تسمح بذلك، ويبقى ذلك في ميزان حسناتهم وحسنات القرضاوي رحمه الله تعالى.

المصدر : الجزيرة مباشر