تعذيب أطفال الحضانة.. عنف متجذر في مجتمع مسكون بالخوف!

هناك المعاملة مختلفة

(بنقول إيه لما نعوز تواليت، انطقي…). نستمع إلى هذه العبارة في فيديو، مقرونة بصراخ وبكاء طفلة بسبب ضربها على جسدها الضعيف الرقيق.

ليس هذا مشهدًا في مسلسل إذاعي، أو فيلم درامي، من الأعمال الفنية التي تعالج العنف الذي يقع على أطفال لإكراههم على فعل أشياء تنتهك براءتهم وطفولتهم مثل السرقة والتسول، أو عقابهم لارتكاب أخطاء عفوية، أو انتقام زوجات الآباء منهم لغياب الأم انفصالًا عن الأب أو موتًا، إنما هو واقع مؤلم حدث قبل أيام في دار حضانة (روضة) في مدينة الإسكندرية بمصر.

وكانت مديرة الحضانة هي التي تمسك بسياط الجلاد في حفلات تعذيب الأطفال، وقد ظهرت في فيديو آخر وهي تضرب طفلًا وتردد عبارة باللغة الفرنسية أخطأ في نطقها: “Se il vous plaît”، ثم تصفعه وتقول له: “من فضلك”! أي فضل هنا سيتعلمه طفل يفتح عينيه الهادئتين على حياة تبدأ بالضرب والترهيب.

 التنشئة على الخوف

المشكلة أو العقدة النفسية والاجتماعية أنه منذ هذه اللحظة ينشأ الطفل على الخوف الذي يكبر داخله مع انتقاله من مرحلة سنّية إلى أخرى فيجعله إنسانًا مشوّهًا مهزوزًا ممسوخًا يخشى كل شيء حوله، وقد تصير صفة الجبن ملازمة له فيرضخ ويقبل بالواقع مهما كان مزريًا، ولا يقدر على رفع رأسه، وليست مصادفة أن أحد شعارات ثورة يناير كانت: “ارفع رأسك فوق”.

مثل هذا الإنسان المفزوع منذ الصغر تُقتل داخله قيمة الإرادة، إرادته في قول وفعل ما يريد وهو مطمئن وآمن، حيث يؤثر السلامة وتستوطنه الهزيمة النفسية فلا يتصرف بحرية.

الجريمة وقعت في حضانة راقية بالإسكندرية، يذهب إليها أطفال من عائلات ميسورة الحال، فالقسط الشهري 3150 جنيهًا بدون وجبة طعام، ومع الوجبة يصل القسط إلى 4 آلاف جنيه، وهذه رسوم لا يقدر على دفعها إلا أصحاب الدخول الكبيرة. الجريمة صادمة للمشاعر، وهي ليست هينة أو عابرة، فهي مظهر للجوهر الأهم من الأزمة المجتمعية، وهو التأسيس لآفة الخوف التي تُلقى في أرض الطفولة النقية الخضراء، وطبيعي أن يكون الحصاد أفرادًا وأجيالًا مسكونة بخوف متجذر يُنتج مجتمعًا سلبيًّا عقيمًا عن القيام بأي فعل فيه دفاع عن الذات فضلًا عن فرض الذات.

القمع والاستبداد

وهذا واقع ملموس في كل بلدان الخوف والقمع السياسي والأمني والعسكري، مجتمعات الاستبداد والشمولية والسلطوية والدكتاتورية والطغيان. الإنسان يُولد عمومًا باكيًا لأسباب تتعلق بخروجه من حاضن إلى حاضن جديد، لكن في بلدان الظلام تتكرس لديه عادة البكاء سواء كان ظاهرًا أو مكتومًا، فهو تدريجيًّا يفقد أسمى قيمة منحه الله إياها وهي حريته، تلك الحرية التي تجعله صاحب قدرة ومالكًا للإرادة وحائزًا لحقه في الاختيار، وواثقًا من نفسه، ومفجرًا لما لديه من طاقات ومواهب.

وقد نفهم من ذلك أن الاستبداد يتسم بالخبث والتلوّن كالحرباء ويقاوم كل أفكار وحركات التغيير والإصلاح؛ لأن نهايته في الانعتاق من أسره.

لماذا يأتي هذا السلوك العنيف من أنثى؟

تلك المرأة التي تتسلم أطفالًا لتجعل عقولهم وأناملهم الصغيرة تبدأ رحلة التعلم وفهم الحياة، هي واحدة من سيدات ممتلئات بنفس الآفة العامة في المجتمع المقموع غصبًا وبإرادته أحيانًا، وهي بممارساتها العنيفة تُنفس عما هو مكتوم بداخلها في ضحاياها من أطفال أطهار. ونحن لا نبرر فعلتها الشنعاء، وإنما نجتهد لمحاولة فهم هذا السلوك العنيف من أنثى، والإناث هن منبع الرقة واللطف والوجدان والحنان والضعف الجميل، فكيف تصير جلادًا بلا رحمة يهوي بسياطه على أجساد لم يتشكل العظم فيها كاملًا بعد؟

هى تستحق المحاكمة بالطبع، لكنها أيضا حالة للدراسة الشاملة لفهم طبيعة الشخصية المنحرفة عن الفطرة السوية رغم ما تبدو عليه من رقي وانتماء لشرائح مجتمعية متميزة تعليمًا وثقافة ومالًا، وهي ليست حالة فريدة، إنما عنوان لظواهر مجتمعية تطل برأسها فتثير القلق على مستقبل شديد القتامة والخطر.

كثير من الجرائم المثيرة للدهشة والغرابة في المجتمع بحاجة إلى الدراسة من مختلف جوانبها لفهم النسق العام للمجتمع وما يموج به من سلوكيات وأفعال وأفكار ومخزون ثقافي وفكري ومعاملات وحوادث يومية منذ الطفولة حتى السقوط في بئر الجريمة، بهذا سنعرف ونطلع على الكثير المفيد في تفسير وتفكيك الظواهر المستجدة وعلاقتها بواقع السياسة والحريات والاقتصاد والمعيشة ونمط الرسائل الثقافية والفنية والدينية الموجهة إلى المجتمع، وهل نسير على طريق صحيح، أم هو طريق أشواك ونار ناتج عن غفلة أو سبق إصرار وتعمد؟

الحرية.. الترياق الشافي

أطفال في أعمار تتراوح بين عام وعدة أشهر إلى أربعة أعوام يُلقي بهم أهاليهم في دور حضانة، وهذا ليس سنًّا للتعليم، إنما هو مرحلة للعب والمرح ودفء حضن الأمهات، لكن العائلات مشغولة بالحياة العملية وجمع المال أو متطلعة إلى منح أطفالهن تعليمًا مبكرًا، والانشغال بالمال قد يتسبب في ضياع الأطفال، والتعليم ليس لطفل رضيع أو لا يزال يحبو، هذا تزيّد وتكلّف ومبالغة وتفاخر مرَضي، والنتيجة في مثل حضانة الإسكندرية أن الأطفال تعرضوا لفظائع كانت تظهر عليهم في فزعهم خلال النوم.

والأهالي الكبار مسكونون بخوف بدأ معهم منذ الصغر على أطفالهم من مستقبل مجهول، ومُعلمة الحضانة كشفت عن حفلات التعذيب بعد طردها من عملها، ولو لم يتم الاستغناء عنها لما سربت الفيديو إلى الأهالي، وهي تربت على الخوف والجُبن.

نحن كلنا، أو معظمنا، نشأنا وكبرنا تحت سياط الخوف، من البيت والمدرسة والجامع والشارع والعمل والسلطة والحاضر والمستقبل وكل ما حولنا، لهذا فقدنا اليقين، وفقدنا أنفسنا، ولا علاج إلا باسترداد الحرية المُصادرة، ففيها بناء إنسان صحيح، وفيها الترياق الشافي من كل العلل النفسية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية والعقلية.

المصدر : الجزيرة مباشر