الهزيمة ترتبط باستخدام الحاكم المستبد قوته لقهر شعبه!!

الشيخ يوسف القرضاوي

 

المستبدون لا يقرأون التاريخ ولا يفهمون دروسه القاسية، فيدفعهم جهلهم إلى البطش بشعوبهم، واستخدام القوة الغاشمة لنشر الخوف بحجة المحافظة على هيبة الدولة، لكنهم بذلك يُضعفون الشعوب، ويقللون إمكانات الدولة في استثمار ثروتها البشرية لبناء المستقبل.

والنتيجة الوحيدة لقهر الإنسان وإهدار كرامته وإجباره على الخضوع والخنوع هي هزيمة الدولة مهما بلغت قوة أسلحتها وجيشها، وانهيار اقتصادها مهما بلغت ثرواتها ومواردها.

القوة الزائفة!

يتصور الطاغية أنه يحمي نفسه ومُلكه عندما يمتلك القوة التي يستخدمها في قهر شعبه، وأنه كلما ازداد خوف الشعب منه، تمكّن من أن يفرض الأمن والاستقرار، لكن التاريخ يوضح لنا أن الكثير من الدول انهارت وتعرضت لهزائم مذلة عندما تمكن الحكام من تخويف شعوبهم، فلم تتمكن من تحقيق التقدم، ولم تقدم للبشرية إنجازات حضارية.

ولكي يتمكن الحاكم الطاغية من فرض سلطانه، فإنه يجمع حوله المنافقين الذين يتبارون في مدح عبقريته، والمبالغة في تصوير إنجازاته، وإقناعه بأنه أنقذ البلاد، وأن الناس يسبّحون بحمده، وهو يدري أنهم يكذبون عليه، لكن كل مستبد يطربه المديح الزائف، فيترك لهم الشعب لينهبوا أمواله، فيفقروه، لذلك يرتبط الفقر بالخوف والقهر، فيسير الناس بجانب الحائط خوفا من العسس. فكيف يتمكن هؤلاء الخائفون الذين لا يريدون أن يراهم أحد من تقديم مبادرات ومشروعات وأفكار جديدة لبناء المستقبل؟!

ويتزايد عدد السفلة حول الطاغية، فيتسلطون على أبناء الأشراف والعلماء، فيقهرونهم، ويتباهون بتعذيبهم وإهانة كرامتهم، ليزداد خوف الشعب، فيقول الفرد العادي لنفسه: انظر! ماذا حدث لذلك الشريف؟! فماذا يمكن أن يحدث لك أيها الإنسان الضعيف الذي لا يملك حولا ولا قوة؟ فيهرب الإنسان من الحياة، فيسير نائما غائبا عن الوعي، ويعيش كالأموات لا يتمنى سوى أن يغفل عنه جنود الطاغية.

انتشار الفساد نتيجة الاستبداد

وذلك يمكن أن يفسر انتشار الفساد والنهب والسلب والجباية والرشوة في الدول التي تحكمها أنظمة مستبدة، فكل أعوان الحاكم الطاغية يظلمون الناس، ويستولون على أموالهم، بعد أن يجلدوا ظهورهم، لأنهم يتصورون أنهم سادة، والشعب عبيد.

وهكذا يزداد ضعف الفرد الذي يفقد رغبته في الحياة، فلا يخاطر بإنشاء مشروعات يعلم سلفا أنه لن يتمتع بأرباحها، فيكف عن التفكير في التعمير والبناء والتصنيع والزراعة، ويخاف من النجاح الذي يمكن أن يلفت إليه أنظار أعوان الطاغية.

وهذا يفسر تخلف الدول التي يحكمها المستبدون، فكلما ازداد الحاكم تجبرا وقسوة، تزايد التخلف والفقر والغلاء وسوء الأحوال.

الحكم الظالم ينتهي بالهزيمة!

وعندما يشتد الظلم ويتزايد الخوف، ينتهي حكم المستبد الظالم بالهزيمة، وهذا يمكن أن يفسر هزيمة عام 1967، فلم يكن نظام عبد الناصر ضعيفا، بل إنه بلغ أوج قوته، وتمكن من فرض الأمن.

وكان يمتلك وسائل إعلام تتغني بأمجاده، وتتحدث بشكل مستمر عن فضله وإنجازاته، وأجهزة مخابرات ترصد أنفاس الناس، وكان يمتلك جيشا هو بالتأكيد أكثر قوة من الجيش الصهيوني.

ولم تكن الهزيمة نتيجة لقوة جيش العدو أو العبقرية اليهودية، كما تحاول الأبواق الصهيونية أن تصور الأمر، فالجيش المصري كان يستطيع أن يوقف تقدّم العدو، لو لم يصدر له أمر الانسحاب الذي رصده العدو فتقدّم، واحتل الأرض، وقتل الأسرى، وارتكب المذابح.

ما أقسى الدرس!

لكن رغم قسوة الدرس، ووضوح نتيجة الاستبداد، ظلت الهزائم تتكرر لأن الشعوب لم تتمكن من فرض إرادتها واختيار حكامها.

والتاريخ يقدّم لنا الكثير من الدروس التي توضح أنه عندما ينتشر الخوف تكون النتيجة الوحيدة هي الهزيمة في كل المجالات، وأن النظم المستبدة تُضعف الشعوب عندما تستخدم كل موارد الدولة لزيادة قوتها وضمان أمن الحاكم بقهر شعبه.

يرى الشيخ يوسف القرضاوي أن الاستبداد خطر على الأمة في فكرها وأخلاقها، وفي قدرتها على الإبداع والابتكار، فالاستبداد يقدّم أهل الثقة عند الحاكم لا أهل الكفاءة والخبرة، ويقرّب المنافقين على حساب أهل الخلق والدين، وبهذا تضطرب الحياة وتختل الموازين، وتقرب الأمة من ساعة الهلاك. وكما أن هناك ساعة عامة تطوى فيها صفحة البشرية كلها، توجد لكل أمة ساعة خاصة يذهب فيها استقلالها وعزها، إذا أسندت أمورها إلى من لا يرعى أمانتها، ولا يقوم بحقها، ولا يتقي الله فيها.

الكفاح لبناء المستقبل

لكن الشعوب التي تستسلم لحكم الطغاة يجب أن لا تلوم إلا نفسها، عندما تئن تحت قهر السياط والفقر وتتعرض للهزائم، ويجب أن تدافع عن حقها في الحياة والحرية والديمقراطية، فهي لن تستطيع أن تبني مستقبلها إلا عندما تتمكن من فرض إرادتها، وأن يكون كل فرد فيها قويا، قادرا على التعبير عن رأيه بحرية، فتكون قوة الفرد أساسا لقوة الدولة.

والفرد هو الذي يستطيع أن يُنتج ويبني ويفكر ويبدع عندما يعتز بانتمائه إلى دولة تحترم كرامته، ويكون له فيها كل حقوق الانتماء، فيحصل على نصيبه من مواردها وخيراتها، ويمتلك بيتا على أرضها، ويعيش فيها كريما عزيزا لا يستطيع أحد أن يذله أو يقهره أو يسلب ماله.

كما أن من أهم أسس بناء المستقبل، أن تختار الأمة حاكما قويا في الحق، يقيم العدل، ويحمي كرامة الإنسان، ويدافع عن الأرض، ويدير موارد الدولة، ويقود الشعب لتحقيق التقدم والتنمية والاستقلال وتقديم الإنجازات الحضارية.

والحاكم الذي يجب أن يختاره الشعب هو الذي يعمل على زيادة القوة المادية للدولة ليستخدمها في حماية الأرض ودفع الأعداء، ولا يستخدمها لقهر شعبه وتخويفه وإفقاره بالجباية.

فإن تحملت الشعوب مسؤوليتها، وكافحت لفرض إرادتها، فإنها يمكن أن تبني مستقبلها، وتحقق النصر.

المصدر : الجزيرة مباشر