لماذا لا يصعد اليسار العربي مثل غيره؟

غاب اليسار عن قضية الحرية ومواجهة الاستبداد العربي

 

لم يكن فوز المرشح العمالي لولا دي سيلفا برئاسة البرازيل يوم 30 أكتوبر/تشرين الأول المنقضي هو الأحدث في مسيرة صعود الأحزاب اليسارية إلى السلطة في دول أمريكا اللاتينية لكنه كان الأكثر أهمية، ذلك أننا نتحدث عن حكم أكبر دولة في القارة الجنوبية (205 ملايين نسمة)، كما أن الفوز مثّل ردّا شعبيا لاعتبار دي سيلفا الذي تعرّض لمحاكمة سياسية أرادت تدمير مستقبله السياسي بتوجيه تهم فساد له، حكم فيها القضاء في أولى درجاته بالحكم مرتين بالحبس لمدة 12 عاما (إجمالي 24 عاما) في عامَي 2018 و2019 قبل أن تقضي المحكمة العليا في 8 مارس/آذار 2021 ببراءته من تلك التهم، فاتحة الباب أمامه مجددا إلى السلطة، وهو ما تم بالفعل.

لم يكن دي سيلفا أول اليساريين الفائزين بحكم بلادهم في دول أمريكا الجنوبية، فقد سبقه إلى ذلك -خلال السنتين الأخيرتين- رؤساء كل من بوليفيا وبيرو وتشيلي والمكسيك وهندوراس، وكولومبيا التي فاز بحكمها جوستافوا بيترو كأول رئيس يساري لها، ولم تكن هذه الجولة الوحيدة التي فاز بها رموز اليسار بحكم دول القارة الجنوبية بل فازوا أيضا في جولة سابقة في العقد الأول من هذا القرن، مثل هوجو شافيز في فنزويلا، ولولا دا سيلفا (نفسه) في البرازيل، ونيستور كيرشنر في الأرجنتين، وميشيل باتشيليت في تشيلي، وخوسيه موخيكا في أوروجواي، وإيفو موراليس في بوليفيا، ورافائيل كوريا في الإكوادور.

لماذا لا يفوزون؟

ولم يقتصر فوز الأحزاب والرموز اليسارية على دول أمريكا الجنوبية، ولكنه حدث مرات عديدة في أوربا بقسميها الشرقي والغربي، قبل موجة المد اليميني الحالية في القارة العجوز، لكن السؤال: لماذا لم يفز اليسار العربي مثل نظرائه الأوربيين واللاتينيين في أي انتخابات تعددية حقيقية؟

قد يقول قائل: ولكن اليسار حكم أو شارك في حكم العديد من الجمهوريات العربية في فترات مختلفة، والحقيقة أن تلك المشاركة لم تكن نتيجة انتخابات إلا باستثناءات قليلة مثل الحزب الاشتراكي اليمني، أما بقية الأحزاب الشيوعية التي شاركت في الحكم فقد كان ذلك إما نتيجة انقلاب عسكري مباشر كما هو الحال مع انقلاب/ثورة 23 يوليو 1952 التي شارك فيها بعض الضباط الشيوعيين وأصبحوا جزءا من مجلس قيادة الثورة مثل خالد محيي الدين ويوسف صديق، أو كما هو حال انقلاب جعفر النميري في السودان عام 1969 الذي دعمه الشيوعيون، وتبوؤوا بعض المناصب المدنية والعسكرية معه لمدة محدودة، وكما هو الحال في كل من سوريا والعراق مع حزب البعث العربي الاشتراكي.

لكننا نتحدث بشكل مباشر عن الانتخابات النزيهة أو شبه النزيهة التي جرت في العديد من البلدان العربية سواء قبل أو عقب الربيع العربي، الذي فتح الباب واسعا لكل القوى السياسية للتعبير عن نفسها، والتسويق لبرامجها ورموزها، لكن ذلك لم ينعكس إيجابا على الأحزاب اليسارية.

ففي مصر، جرت انتخابات برلمانية شفافة في العام 2012 خرج منها اليسار خالي الوفاض، وتكرر الأمر بعد انقلاب 2013 رغم أن غالبية القوى اليسارية دعمته إلا أنها حصلت على مقاعد محدودة في انتخابات 2014. وفي الانتخابات البرلمانية التونسية في أكتوبر/تشرين الأول 2019، حصل اليسار على مقعدين فقط. وفي الانتخابات النيابية الجزائرية، لم يكن للأحزاب اليسارية دور يُذكر. ورغم التراجع الملحوظ  لليسار في المغرب خلال السنوات الماضية، فإنه يظل الأفضل أداء انتخابيا بين الأحزاب اليسارية العربية، وذلك بحكم خبرته الانتخابية الطويلة في ظل هامش ديمقراطي محدود تتعامل معه كل القوى السياسية المغربية، وهذا الهامش أتاح لليسار الحصول على أكثرية نيابية في العام 1997 مكّنت حزب الاتحاد الاشتراكي من قيادة تحالف حكومي، لكنه لم يلبث طويلا، وإن ظل مشاركا في بعض الحكومات التالية.

انشغال بالغير

لا تنشغل الأحزاب اليسارية العربية بمعرفة وتحليل أسباب تراجعها المتواصل قدر انشغالها بالشماتة في تراجع تمثيل الإسلاميين في البرلمانات المختلفة، ولا تمتلك هذه الأحزاب اليسارية جرأة الاعتراف بأخطائها في الوقت الذي تلح فيه على غيرها بضرورة المراجعة والاعتذار.

كان انهيار الاتحاد السوفيتي، ومعه انهيار المنظومة الشيوعية الدولية مطلع التسعينيات، هو الضربة القاصمة لليسار العربي الذي كان يتغذى على الدعم السوفيتي المباشر، وكان يستمد حضوره من تصاعد المد الشيوعي عالميا، وحين حدث الانهيار رأى الشيوعيون العرب أن الخطأ ليس في النظرية، ولكن في التطبيق، ولم يعمدوا إلى مراجعة مرتكزاتهم الفكرية ليتصالحوا مع ثقافات شعوبهم.

فكر مستورَد

المشكلة الرئيسية أمام اليسار العربي هي أنه فكر مستورد لا يصلح للبيئة العربية المحافظة، وأنه لم يستطع تقديم صيغ تصالحية مع هذه البيئة، فظل جسما غريبا وملفوظا، وزاد غربتَه انحيازُ أغلبية أحزابه إلى الاستبداد والانقلابات العسكرية، وتنظيرها للحكم العسكري، حدث ذلك في مصر، وحدث في السودان، ويحدث الآن في تونس حيث تمثل بعض الأحزاب اليسارية الحاضنة الرئيسية للرئيس قيس سعيّد.

مع بلاغتها الخطابية وقدراتها التنظيرية، لا تمتلك الأحزاب اليسارية العربية برامج عملية مقنعة للشعوب، وللطبقات الفقيرة التي تدعي وصلا بها ودفاعا عنها، والغريب أن أصوات هذه الطبقات لا تذهب لتلك الأحزاب ولكن لغيرها.

ما سبق ليس حكما عاما على كل القوى والشخصيات اليسارية، فقد ظهر منها اليسار النبيل، ولعلنا نتذكر هنا الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، والمحامي الراحل أحمد نبيل الهلالي نجل رئيس وزراء مصر قبل يوليو 1952، الذي سخّر مكتبه للدفاع عن الجميع من دون تفرقة، وهو ما تكرر مع تلميذه المحامي الراحل أحمد سيف الإسلام حمد، والد الناشط علاء عبد الفتاح المعتقل حاليا، وشقيقتيه سناء ومنى، لقد قدمت هذه الأسرة مؤخرا ملحمة نضالية، تُسجَّل بأحرف من نور في التاريخ السياسي المصري، دفاعا عن ابن الأسرة المعتقل.

المصدر : الجزيرة مباشر