بعد التراجع عن تقنين الدروس الخصوصية.. ما الحل لمشكلات التعليم في مصر؟

تواصل وزارة التربية والتعليم المصرية التخبط والعشوائية في إدارة شؤون التعليم وسياساته، فقد تراجعت الوزارة عن خطة وزيرها الدكتور رضا حجازي لتقنين مراكز الدروس الخصوصية، المعروفة في الشارع المصري باسم “السناتر التعليمية”، بعد أن أثارت غضبا واسعا وسخرية في الأوساط التعليمية والشعبية. أصدرت الوزارة بيانا رسميا نفت فيه من الأساس أن تكون قد قررت تقنين هذه المراكز للدروس الخصوصية، وأن الأمر كله كان مجرد اقتراح للنقاش المجتمعي.

وصفة الوزير العلاجية الوهمية للمرض

الوزير رضا حجازي تنصل من خطته لتقنين “السناتر”، واعترف أمام لجنة التعليم بمجلس النواب بأن الدروس الخصوصية عَرَض لـ”مرض”. الوزير قال كلاما هلاميا أمام اللجنة -يُعَد “فضا للمجالس” أكثر منه علاجا ناجعا- عن تفعيل مجموعات التقوية بالمدارس، فهل ينتظم الطلاب في “اليوم الدراسي”، ليعودوا بعده إلى مجموعات التقوية بالمدرسة؟ وزيرنا الهُمام، أمام النواب، استكمل وصفته العلاجية “الوهمية” لقضية أو مرض الدروس الخصوصية، بأنه سيتم تدريب 5 آلاف معلم على “النظام الجديد”، لتنمية مهاراتهم، وتبني استراتيجية داعمة للابتكار، دون إيضاح لهذه الاستراتيجية المزعومة، أو نوعية هذا الابتكار، أو معالم هذا “النظام الجديد”، ودواعيه وجدواه، أو فائدة تدريب هذا العدد القليل من المعلمين في وزارة قوامها مليون معلم تقريبا؟ وتعاني عجرا يُقدَّر بنحو 323 ألف معلم؟

ترخيص “السناتر” وتقاسم عوائدها.. غياب التخطيط التربوي

تراجُع الوزير حجازي ووزارته وتنصلهم عن تقنين “السناتر”، جاء بعد موجة سخرية واسعة لكونها نشاطا “غير مشروع”، والقيام سابقا بحملات شرسة لإغلاقها، لا سيما وأن الوزير حجازي لوّح -ربما من دون قصد- بأن هذه “السناتر” تدر دخلا قدره 47 مليار جنيه سنويا، كاشفا عن الهدف الحقيقي لترخيصها، وهو تقاسم عوائدها بتحصيل رسوم وضرائب عنها. لا جدال أن التعليم في مصر المحروسة يعاني مشكلات جمة، تراكمت منذ عقود، نتيجة غياب “التخطيط التربوي المؤسسي للعملية التعليمية”، وترك شؤون التعليم للوزير، لنكون أمام “سياسة وزير”، وليس خطط وزارة مرسومة ومخططة سلفا. هذا النهج هو أخطر مشكلات التعليم على الإطلاق، لأنه الباب الواسع للعشوائية والتخبط، وغياب الرؤية، وإهدار الموارد والوقت والجهد بلا عائد يرتجى.

 المدارس شوارع فوضوية.. وعجز بنحو 323 ألف معلم

التعليم يعاني نقصا رهيبا في الفصول الدراسية، ربما لعدم توافر التمويل لإنشاء وصيانة الأبنية التعليمية اللازمة من مدارس وفصول بالعدد الكافي، لاستيعاب طلابنا، إذ يزيد تعداد الطلاب عن 20 مليونا، تتولى وزارة التربية والتعليم أمرهم منذ البداية، وانتهاءً بالمرحلة الثانوية (عامة وفنية)، فصارت كثافة الفصول تتخطى 80 تلميذا أو يزيد في بعض الحالات، كما عاد نظام تعدد الفترات على استحياء.

هناك عجز صارخ في المعلمين، بلغ -وفقا لتقديرات الوزارة- نحو 323 ألف معلم ومعلمة، نتيجة التوقف منذ 5 سنوات على الأقل عن إحلال معلمين جُدد خلفا للمُحالين على المعاش، البالغ عددهم سنويا 50 ألف معلم تقريبا. هذا العجز في المدرسين -بدوره- أحال المدارس إلى شوارع فوضوية، فالمعلوم أن وجود فصل دراسي واحد في إحدى الحصص بدون معلم يؤدي إلى هرج ومرج، قد يمتد إلى المدرسة كلها، فما بالنا إذا كان نحو 30% تقريبا من فصول أي مدرسة حاليا بدون معلمين، نتيجة هذا العجز، بما يعني فوضى شاملة في المدرسة كلها، تضرب العملية التعليمية في مقتل.

مدارس لتجريب النُّظم والمناهج الجديدة.. بدلا من تعميم برامج تعليمية فاشلة

لدينا مشكلة التخبط في المقررات الدراسية، ونظم الامتحانات، فكلما تغيّر وزير التربية والتعليم، سارع إلى إصدار قرارات متعجلة غير مدروسة، بتغيير نُظم الامتحانات (الامتحان الإلكتروني نموذج لهذه القرارات)، وكذلك تعديل مقررات دراسية هنا أو هناك حذفا أو إضافة أو تبديلا، كل هذا يتم دون مقدمات أو تجريب أو إشراك المجتمع وأولياء الأمور، بما ينعكس بتدهور ناتج العملية التعليمية.

معلوم تربويا أنه لا يجوز تطبيق أي نظام في العملية التعليمية أو جانب من مكوناتها هكذا، من دون مقدمات، بل الواجب هو تجريب هذا النظام الجديد سواء في الامتحانات أو المناهج والمقررات الدراسية أو طرق التدريس. التجريب يكون في عدد محدود من “المدارس” المُعدَّة لهذا الغرض، بإشراف أساتذة في التربية ومخططين ومُعلمين خبراء، للوقوف على عيوب النظام الجديد وتلافيها، قبل التعميم على جميع المدارس المعنية، تجنبا لاستهلاك الجهود والأموال والموارد في تعميم نُظم أو برامج تعليمية فاشلة.

 الدور التربوي والتعليمي للمدرسة.. وحل

إن هذه المشكلات التي أشرنا إليها، وفي ظل غياب الرؤية والتسرع في القرارات التعليمية، جردت “المدرسة” من دورها التربوي تدريجيا منذ نحو نصف قرن تقريبا، فلم يعد هناك تربية، وآية ذلك ما نسمع عنه من سلوكيات أبنائنا في الشارع والمدرسة مما تنشره صفحات الحوادث. كما أدت إلى تراجع المدرسة عن مهمتها التعليمية منذ ثلاثة عقود أو يزيد، ومن ثم تغوّل “ظاهرة الدروس الخصوصية”، ومعها “السناتر”، كحل أقل في الكُلفة المالية. في الحالين، هي عبء ثقيل على غالبية أولياء الأمور، في ظل الفقر الذي يضرب الملايين، بما يستلزم تفعيل الدور التعليمي للمدرسة تخفيفا على الناس. يقينا، حل مشكلات التعليم المتراكمة يكمن في التخطيط والعناية بكل أركان العملية التعليمية، لتعود المدرسة إلى دورها الطبيعي تربويا وتعليميا. تقنين “السناتر” وتحويلها إلى مدارس بديلة ليس حلا، فهذا المنطق الذي بنى عليه الوزير حجازي فكرته للسناتر، لا يُستبعد معه -إذا مددنا الخط على استقامته- أن تصير المدارس بعد فترة “متجرا” لبيع الشهادات التعليمية مقابل رسوم، بعد أداء امتحانات صورية!

نسأل الله السلامة لمصر المحروسة.

المصدر : الجزيرة مباشر