لبنان بين ترسيم الحدود ولعبة الأمم

جلسة مجلس النواب اللبناني التي أوصت حكومة ميقاتي بالبقاء (3 نوفمبر)

“في لعبة الأمم، اللاعبون في كثير من الأحيان مُجبرون على الاستمرار في اللعبة، بالأدوات التي تفرضها اللعبة، دون إرادة منهم أو قدرة على تغيير الأدوات، وإعادة ترتيب الأولويات فهم مستمرون فيها، وهي لا تتوقف لأن توقفها يعني فناء من أوقفها”.

وكما يقول مايلز كوبلاند، في كتابه الشهير لعبة الأمم، الذي نُشر لأول مرة عام 1969، “اللاعبون لا يعرفون القصة التي وراء اللعبة، ولا يعلمون أن القصة تولد قصة، مع تجاهل لأصل الحكاية، وليس شرطاً أن يكون اللاعبون عملاء لمن يديرون اللعبة، فيكفي أنهم ينفذون التوجيهات ويلتزمون بالأدوات حتى يؤدون أدوارهم بدقة في اللعبة المرسومة”.

قرون من الصراع.. فقط تتغير الأسماء

تصدق هذه المقولات بنسبة كبيرة على الوضع في لبنان الذي يعيش صراعاً ممتداً عليه ـ أرضاً وشعباً وثروة وسيادةـ منذ عشرات القرون، وليس فقط خلال العقدين الأخيرين، فقد حكمه الفراعنة حتى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ثم الفينيقيون تلاهم الآشوريون والبابليون والفرس حتى القرن الثالث الميلادي، وخلفهم الإغريق منذ بداية القرن الرابع الميلادي، تبعتهم الإمبراطورية البيزنطية منذ بداية القرن الخامس الميلادي.

ومع الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي دخلت البلاد في مرحلة جديدة من الصراع بين الدول الإسلامية، بين الأمويين والعباسيين والفاطميين، وصولاً لمرحلة الحروب الصليبية خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، حتى سيطرة الدولة العثمانية على بلاد الشام بداية من 1516م، وصولاً للاحتلال الفرنسي لسوريا ولبنان، بعد تدخل غير مباشر وسياسات تفكيك وتركيب بدأت عام 1860، حتى إعلان الاحتلال الفرنسي رسمياً على البلاد عام 1920، تحت مظلة اتفاقية سايكس بيكو 1916، وفي 23 مايو 1926، اجتمع ممثلو المناطق اللبنانية ووضع الدستور وأعلنوا قيام الجمهورية اللبنانية تحت الانتداب الفرنسي، حتى الحصول على الاستقلال عام 1946.

الحرب الأهلية وترسيخ قواعد اللعبة

دخلت البلاد في حرب أهلية عام 1958، من بين السياقات التي حكمها الصراع الدولي بين الشرق والغرب، والموقف من حلف بغداد، وتطور الصراعات حتى تعرضت البلاد للاجتياح الإسرائيلي لأراضيها عام 1982، وانسحبت إسرائيل عام 2000، لكنها رسخت لانقسامات داخلية في لبنان بين الفصائل المختلفة، وبدأت عملية إعادة الإعمار في ظل رئاسة رفيق الحريري للوزراء في البلاد، حتى تم اغتياله عام 2005، ومع الفوضى التي ضربت البلاد قامت إسرائيل بشن حرب على لبنان في 12 يوليو/ تموز 2006، ومع نجاح حزب الله في مواجهة هذا العدوان، تعاظم دوره السياسي، مدعوماً من سوريا وإيران، وتدخل عسكرياً لإسقاط حكومة فؤاد السنيورة عام 2008، وتوسطت دولة قطر ووقعت اتفاق الدوحة الذي وضع الأسس للتوافق السياسي والتمهيد لانتخابات 7 يونيو/ حزيران 2009، وتمت الانتخابات بالفعل، لكن لم تتوقف الصراعات السياسية الداخلية مدعومة بتحالفات خارجية إقليمية ودولية تقف خلف الفصائل المتناحرة، وما زالت هذه الصورة هي السائدة منذ 2009 حتى 2022 مع تغير الشخصيات والكيانات مع بقاء التحالفات والامتدادات التي رسخت لطائفية سياسية ودينية ومذهبية على حساب أمن واستقرار الدولة اللبنانية.

فأساس الحكم في البلاد يقوم على أنها “جمهورية ديمقراطية برلمانية طوائفية” تعتمد نظام توزيع السلطات على الطوائف الرئيسية في الدول، فتكون رئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة الوزراء للمسلمين السنة، ورئاسة البرلمان للمسلمين الشيعة، وهو ما دفع البلاد إلى دائرة من الصراعات لا تتوقف، وفراغ في منصب رئيس الحكومة عدة مرات، وشغور رئاسي على موقع رئيس الجمهورية أكثر من مرة خلال العشرين عاماً الأخيرة، وهو ما صاحبه انهيار اقتصادي على كافة المستويات وفي كافة القطاعات، وصل لدرجة إعلان الدولة إفلاسها.

صراعات الجغرافيا ــ وأزمات الترسيم

تبلغ مساحة البلاد نحو 10.500 كم مربع، تتوزع بين 8 محافظات (هي بيروت، الجبل، البقاع، النبطية، عكار، بعلبك، الشمال، الجنوب) وتنقسم المحافظات الثمانية إلى 25 قضاء (مركزاً)، ويبلغ عدد سكانه نحو 6.8 مليون نسمة، تمتد حدوده على شاطئ البحر المتوسط لمسافة 225 كم ويرتبط بحدود برية مع الجمهورية العربية السورية لمسافة 375 كم، ومع الأراضي الفلسطينية المحتلة (إسرائيل) لمسافة 79 كم، وتشهد الحدود الثلاثية (اللبنانية ـ السورية ـ الفلسطينية) خلافاً على منطقة مزارع شبعا وإلى أي الدول تؤول السيادة عليها.

وبجانب الصراع على البر، برز كذلك صراع على البحر، حيث ترسيم الحدود البحرية في المتوسط، مع وجود مناطق متنازع عليها مع إسرائيل تبلغ مساحتها نحو 860 كم مربع، زادت أهميتها وخطورة الصراع عليها مع اكتشاف ثروات ضخمة من الغاز الطبيعي فيها، ومع تنامي أزمة الغاز التي تعاني منها الدول الأوربية على خلفية تداعيات الأزمة الأوكرانية، تدخلت الولايات المتحدة بقوة وفرضت ترسيماً لهذه الحدود بين لبنان وإسرائيل، بخطاب رسمي أرسلته لحكومتي الدولتين في 29 سبتمبر/ أيلول 2020، ثم وقعت عليه الدولتان رسمياً في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2022.

هذا التوقيع الذي تم مع حكومة إسرائيلية برئاسة “يائير لبيد”، سرعان ما سقطت حكومته في انتخابات الأول من نوفمبر 2022، أي بعد أربعة أيام فقط من توقيع اتفاق ترسيم الحدود، ويعود رئيس الوزراء السابق “بنيامين نتنياهو” إلى رئاسة الحكومة من جديد وهو الذي أعلن أثناء حملته أن اتفاقية ترسيم الحدود هي “اتفاق استسلام”، وقال إنه سيتعامل مع الاتفاق كما تعامل مع اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين (كان نتنياهو قد عارض اتفاق أوسلو، لكن لم يلغه رسميا وإن كان أوقف تطبيقه وانتهكه بصورة متكررة)، لأنه يدرك أنه إذا ألغى الاتفاق فسوف يدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة وفرنسا وقد يتسبب بمواجهة مع لبنان”.

رغم الترسيم.. ما زالت الانتهاكات مستمرة

إلا أنه مع الإعلان النهائي عن فوز التيارات اليمنية بالانتخابات الإسرائيلية، وعودة نتنياهو، ورغم توقيع اتفاق ترسيم الحدود، ورغم أن الحكومة التي وقعت الاتفاق ما زالت تدير شؤون الكيان، إلا أن الطائرات الحربية والاستطلاعية التابعة للجيش الإسرائيلي، قامت بخرق الأجواء اللبنانية في الرابع من نوفمبر 2022، لأول مرة بعد توقيع الاتفاق، وذكر بيان الجيش اللبناني: “إن 4 طائرات حربية تابعة للعدو الإسرائيلي خرقت الخميس، الأجواء اللبنانية ونفذت طيراناً دائرياً فوق كل المناطق اللبنانية، ومن ثم غادرت الأجواء من فوق البحر غرب مدينة بيروت”، وأن هذا الخرق سبقته “طائرة استطلاع تابعة للعدو الإسرائيلي، خرقت الأجواء اللبنانية من فوق البحر غرب بلدة خلدة وصولاً إلى مدينة بيروت، ونفذت طيراناً دائرياً فوق مناطق بيروت وضواحيها”.

وهنا تأتي أهمية التأكيد على أن إسرائيل لم تحترم عهوداً أو اتفاقيات منذ تأسيسها في عام 1948، ولن يجبرها أحد على ذلك طالما تحظى بدعم دولي كبير، وترتبط بعلاقات دولية قوية مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وبالتالي سيكون الفيتو الداعم لها حاضراً في كل المناسبات.

ولكن في الأخير تبقى إسرائيل مجرد ذراع لأطراف دولية تستخدم من الأراضي اللبنانية مسرحاً لصراعاتها السياسية والاقتصادية والدينية والمذهبية، تشاركها اللعبة أطراف إقليمية بعضها يدعم المسلمين السنة، وبعضها يدعم المسلمين الشيعة، وتكون المظلة الكبرى التي يلعب على ساحاتها الجميع هي الطائفية السياسية والدينية والمذهبية التي رسختها الدساتير المتعاقبة وتعديلاتها، ليبقى لبنان وفصائله أسرى لعبة كبرى يشاركون فيها رغماً عنهم، ولا يمتلكون القدرة على رفض قواعدها أو الخروج عن توجيهات محركيها.

المصدر : الجزيرة مباشر