الانقلابات والحريات في ميزان العرب والأفارقة

رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في قمة العشرين في روما

المتابع لمواقف كل من جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، فيما يتعلق بالانقلابات العسكرية في الدول الأعضاء بهذه وتلك، سوف يكتشف تباينا واضحا وغريبا، ليس فقط في هذا الشأن، وإنما أيضا فيما يتعلق بأبسط حقوق المواطنين هنا وهناك، وهو المتعلق بحقوق الإنسان، ولا نعني هنا المواقف الرسمية وحدها، بل نعني أيضا المواد المنصوص عليها في كل من ميثاق الجامعة، وميثاق الاتحاد.

الملاحظ في هذا الصدد، أن مواقف الاتحاد الأفريقي تنطلق بوضوح من المعايير الدولية والغربية، وهي لا تتوقف فقط عند الاستنكار والشجب اللذين اعتاد عليهما كثير من المنظمات الإقليمية، وإنما تتخذ مواقف حاسمة تبدأ بتعليق عضوية الدولة ذات الصلة، ثم تصل إلى توقيع عقوبات اقتصادية وسياسية تتضمن إيقاف المشاركة في جميع الأنشطة، وغير ذلك من إجراءات.

في هذا الإطار تم تعليق عضوية مدغشقر في مارس 2009، وغينيا بيساو في أبريل 2012، ومصر 2013، وبوركينا فاسو في سبتمبر 2015، ومالي في أغسطس 2020 ويونيو 2021، وغينيا في سبتمبر 2021، وتعليق مشاركة السودان في جميع الأنشطة في أكتوبر 2021.

وتنص المادة الرابعة من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي على رفض وإدانة أي تغيير غير دستوري للحكومات، كما تنص المادة الـ30 على أنه لا يسمح للحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية بالمشاركة في أنشطة الاتحاد، وفي القمة التي عقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في فبراير الماضي، أدان الاتحاد عمليات تغيير الحكومات بصورة مخالفة للدستور، وأعلن المفوض المكلف بالشؤون السياسية والسلام أن الاتحاد لن يتسامح بأي شكل كان مع أي انقلاب عسكري.

ما بين الجامعة والاتحاد

على الجانب الآخر، سوف نجد أن ميثاق جامعة الدول العربية، لم ينصّ  أصلًا على مثل هذه الأمور من قريب أو بعيد، بل جاء نص المادة الثانية من الميثاق محددًا كالتالي: “الغرض من إنشاء الجامعة توثيق الصلات بين الدول المشاركة فيها، وتنسيق خططها السياسية، تحقيقًا للتعاون بينها، وصيانة لاستقلالها وسيادتها، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها”، إلى غير ذلك من أوجه التعاون الاقتصادية والمالية والاجتماعية والصحية.

وبينما نص القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي على أن أهم أهداف الاتحاد هو توطيد النظام الديمقراطي ومؤسساته وتعزيز المشاركة الشعبية والحكم الرشيد وسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان وحريته الأساسية، لم يأت ميثاق الجامعة العربية -الذي تم التوقيع عليه في مارس 1945- على ذكر أي نص يتعلق بمثل هذه القضايا، ولم تفكر الدول الأعضاء على مدى 77 عاما مضت في تضمين الميثاق مثل هذه النصوص، ولو ذرًّا للرماد في العيون، أو تفاعلًا مع التطورات الدولية في هذا الشأن.

في الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن هذا التجمع الأفريقي، كان قد تأسس عام 1963، تحت اسم منظمة الوحدة الأفريقية، وظل كذلك حتى عام 1999، إلى أن صدر إعلان مشترك من الدول الأعضاء خلال قمة سرت في ليبيا، بالدعوة إلى إقامة الاتحاد الأفريقي الذي أصبح واقعا عام 2002 وحل محل المنظمة، وهو ما يشير إلى أن الحالة الأفريقية طورت نفسها بنفسها مع تطور الزمن، في الوقت الذي ظلت فيه جامعة الدول العربية كما هي من دون أي تطور يذكر.

وكان أهم وأكثر ما حاز على مناقشات في تاريخ الجامعة، فيما يتعلق بالتعاون الجماعي، واستمرت المناقشات حوله عدة سنوات على مستوى وزراء الإعلام، هو كيفية التوصل إلى ما أطلق عليه “ميثاق شرف إعلامي”، أو بمعنى أوضح ألا يأتي ذكر دولة عربية في إعلام دولة أخرى، إلا بكل خير وسرور ومودّة وإيجابية وما شابه ذلك، على غرار ما نراه من تقبيل جباه وخياشيم والسؤال عن الأهل والأولاد والشياب، في اللقاءات الرسمية.

من جهة أخرى، لم يتوقف دور الاتحاد الأفريقي على التصدي للانقلابات العسكرية فقط، فبعد يومين من القرارات التي اتخذها الرئيس التونسي قيس بن سعيد، في يوليو 2021، والتي تضمنت الإطاحة بالحكومة وتجميد أعمال البرلمان، قال رئيس المفوضية الأفريقية: إن الاتحاد يتابع الأحداث عن كثب، وإنه أجرى اتصالات مع وزير خارجية تونس أكد خلالها التزام الاتحاد الأفريقي بالاحترام الصارم للدستور التونسي، في حين لم يكن هناك على الجانب الآخر أي موقف من جامعة الدول العربية في هذا الصدد، ليس ذلك فقط، بل حتى فيما يتعلق بالدول السابقة الإشارة إليها ضمن قرارات تعليق العضوية.

الاشتراك السنوي

ولا يخفى على أحد، أن الدول الأعضاء في أي منظمة أو جامعة أو اتحاد، تسدد اشتراكات عضوية سنوية، وتلوح الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال دائمًا بوقف أو تخفيض قيمة اشتراكها (الأعلى على الإطلاق) في الأمم المتحدة، حينما لا تستطيع السيطرة على قرارات الجمعية العامة، أو على عمليات التصويت بها، كما يحدث الأمر نفسه في جامعة الدول العربية من بعض الدول الأعضاء ذات الاشتراكات الأعلى أيضا.

وفي كل الأحوال يتم سداد هذه الاشتراكات من جيوب المواطنين الذين يدفعون الضرائب، وهو يوجب على الدول الأعضاء العودة إلى المواطن لمعرفة ما إذا كان يرغب في الانضمام أو الاستمرار في هذا الكيان أم لا، خاصةً إذا رأى أنه يقف حائلًا أمام تطلعات الشعوب لحساب الحكام، أو أنه لا يتضامن مع نضال الشعوب نحو الحرية والحياة الكريمة، وهو أمر في حد ذاته قد يجبر مثل هذه الكيانات على تغيير سياساتها، أو إعادة النظر فيها.

الغريب في الحالة العربية الراهنة، هو ذلك التضامن الواضح بين الأنظمة العسكرية، أو قُل الدكتاتورية، والتعاون فيما بينها على التصدي لطموحات الشعوب، بعد أن وصل الأمر إلى إرسال خبراء من هنا، وأدوات تعذيب من هناك، أو تبادل المعلومات للتنسيق هنا وهناك، تحت عناوين التعاون الأمني، والخطر المشترك، وما شابه ذلك، وهو ما تسبب في هجرات كثيفة للنخبة الثقافية والسياسية من المنطقة كلها، بعد أن افتقدوا فيها الأمان، وأصبحت المطاردات تتعدى حدود الوطن الواحد إلى الأوطان المجاورة.

أعتقد أن المنطقة العربية هي آخر ما تبقى من دكتاتوريات في العالم، وأن جامعة الدول العربية هي أسوأ لافتة الآن بين المنظمات الدولية، ولا ترقى أبدًا إلى دور الاتحاد الأفريقي، بما يوجب إعادة النظر في هذه المنظومة، التي أصبحت تشكل عبئًا على المواطنين، أكثر منها دعمًا لقضاياهم. ويكفي دليلا على ذلك الفشل عدم التئام عربي على مائدة واحدة على مستوى القادة -أو نصفهم كما جرت العادة- منذ قمة تونس الاعتيادية في مارس عام 2019، وحتى قمة الجزائر الأخيرة في نوفمبر 2022، أي منذ ما يزيد على ثلاث سنوات، وهي القمة التي تم تأجيلها أكثر من مرة، نتيجة خلافات عميقة ومتعددة.

وقد شهدت المنطقة والعالم خلال تلك السنوات أحداثًا كانت كفيلة بانعقاد قمم استثنائية عديدة، وليست الدورية أو السنوية فقط، وهو ما يؤكد أننا أمام وضع استثنائي صعب من كل الوجوه، يتطلب تحركًا جادًّا وسريعًا في آن واحد، ذلك لأن إصلاح الجامعة يمكن أن يغلق الباب أمام الكثير من الأزمات والتوترات في الشارع.

المصدر : الجزيرة مباشر