كأس العالم

جدول مباريات

مصر وتركيا .. الحاضر الغائب في المونديال

مصالحة برعاية قطرية

على الرغم من أن كلاً من منتخبي مصر وتركيا لم يسعفهما الحظ في الوصول إلى نهائيات مونديال كرة القدم الثاني والعشرين المقام في قطر حالياً، إلا أن حضور الرئيسين، المصري عبدالفتاح السيسي، والتركي رجب طيب أردوغان، في حفل الافتتاح، ومصافحتهما اللافتة، تحت رعاية الأمير الشيخ تميم بن حمد، بعد ثماني سنوات من القطيعة، منح الدولتين حضوراً قياسياً، بات حديث الشارع هنا وهناك.

اللقاء الرئاسي المصري التركي، على هامش حفل الافتتاح، سوف يظل يؤرخ له بهذه المناسبة الجماهيرية رياضياً من حيث الشكل، إلا إنها من حيث المضمون اكتسبت ثقلاً وأبعاداً سياسية واجتماعية، وأيضاً دينية وثقافية لأسباب عديدة، كان في مقدمتها ذلك الخواء الفكري الواضح، وتلك العنصرية التي مازالت تخيم على العقل الباطن لشعوب الغرب الاستعماري، وقد جاءت هذه البطولة لتسقط ورقة التوت عن هذه العقول التي ظلت عقوداً عديدة تستتر خلف شعارات وهمية تتعلق بالأخلاق والمساواة وحقوق الإنسان وحرية الرأي.

ربما تصور البعض أن هذه المصافحة بداية لعودة علاقات البلدين، كما عبر عن ذلك الكثير من المراقبين، إلا أن هذا التصور لم يكن دقيقاً أبداً، ذلك أن العلاقات المصرية التركية لم تنقطع حتى في فترة خفض التمثيل الدبلوماسي منذ ٢٠١٣، ويكفي أن نشير هنا إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين ظل في ارتفاع مستمر طوال سنوات الأزمة السياسية التسع الماضية (٢،٩ مليار جنيه حجم الصادرات المصرية عام ٢٠٢١ مقارنة بـ١،٧ مليار دولار عام ٢٠٢٠ بزيادة قدرها ٧٠،٦٣%)، بينما بلغت قيمة الصادرات التركية لمصر في العام نفسه ٣،٥ مليار دولار، في الوقت الذي يعمل فيه الآن بمصر عدد كبير من الشركات التركية، بحجم استثمارات يصل إلى ملياري دولار.

أزمة شخصية:

نستطيع القول أن الأزمة المصرية التركية كانت ومازالت شخصية بحتة، (أردوغان والسيسي) منذ الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين في مصر (يوليو ٢٠١٣) ذلك أنه من الصعب على النظام السياسي في تركيا، (حزب العدالة والتنمية)، وعلى أردوغان تحديداً، الاعتراف بنظام سياسي -في أي مكان بالعالم- يرى أنه قفز على الحكم عن طريق الانقلاب، أو حتى بشبهة الانقلاب، ذلك أن تركيا قد عانت كثيراً، كما أردوغان أيضاً من مثل هذه الانقلابات، ربما أكثر من أي دولة أخرى وأي رئيس آخر في العالم.

أما فيما يتعلق بالإخوان المسلمين كجماعة وموقف أردوغان منها، والأزمة الليبية الراهنة وموقف تركيا من خليفة حفتر، وأزمة غاز شرق المتوسط والتنسيق المصري مع كل من اليونان وقبرص في هذا الشأن، وحتى الأزمة السورية ومدى التدخل التركي عسكرياً هناك، كل ذلك مكانه الطبيعي مائدة المفاوضات لدولتين رائدتين وراشدتين إقليمياً ودولياً، لم يحتدم الصراع بينهما حتى الآن تحت أي من العناوين سالفة الذكر، وبالتالي لم تتأثر علاقات التبادل التجاري طوال الوقت.

ولا يخفى على أحد أن تركيا استضافت الجماعة وإعلامها وفعالياتها أيما استضافة على مدى تسعة أعوام، لم تسفر عن أي تطور أو اختراق للداخل المصري، وهو الأمر الذي أوجب على النظام هناك وضع مصلحة بلاده كأولوية، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات العامة الرئاسية والبرلمانية العام المقبل.

وربما راهنت أيضاً قوى سياسية أخرى بالمنطقة، على تدخل مصري لدى السلطات التركية فيما يتعلق بالشأن السوري أو العراقي، إلا أن المتابع للأحداث سوف يفاجأ بقصف عسكري تركي للشمال في سوريا والعراق في نفس يوم المصافحة، بينما لم تضم عمليات الإفراج عن المعتقلين في مصر أياً من قيادات أو أعضاء جماعة الإخوان، وهو ما يؤكد أن العلاقات تتطور بمنأى عن هذه الملفات، التي يمكن أن تشهد تقدماً بمرور الوقت بحكم مصلحة البلدين، ذلك أن مصلحة مصر لم تكن أبداً بتوثيق العلاقات مع اليونان وقبرص على حساب المصالح الجمة مع تركيا، كما أن أهمية التنسيق المصري- التركي فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني، ثم بعد ذلك السوري والعراقي، وقبل ذلك الأزمة الليبية، سوف يجد آذاناً صاغية لدى القيادة السياسية في البلدين، بل سوف يحتم عليها ذلك.

الباز في نادي الجسرة:

في عام ١٩٨٧ حضرتُ ندوة سياسية، بنادي الجسرة الثقافي، بالعاصمة القطرية الدوحة، تحدث فيها الراحل أسامة الباز، المستشار السياسي للرئيس المصري الراحل حسني مبارك، قال فيها الباز نصاً: “إن علاقات قوية للعالم العربي مع الجمهورية التركية، أكثر نفعاً وأماناً من علاقات العرب بالولايات المتحدة الأمريكية، كما أن علاقات عربية إيرانية قائمة على الاحترام والمصالح المشتركة، أكثر نفعاً من العلاقات مع الاتحاد السوفييتي (في ذلك الوقت)، مشيراً إلى أن تحالفاً مصرياً تركياً إيرانياً سوف يكون له شأن وعائد كبير على دول المنطقة”.

الآن وبعد مرور ٣٥ عاماً على استراتيجية أسامة الباز، التي لم تر النور، نرى أن الدوحة تحديداً ترعى مصالحة مصرية تركية، ربما تمثل نواة لعلاقات أوطد وتحالفات أوسع، قد تسفر في نهاية الأمر عن حلول لمشاكل وقضايا معقدة بالمنطقة، خاصةً أن تركيا وإيران كانتا رأس الحربة في الوقوف بجانب قطر ودعمها في مواجهة دول الحصار.

السؤال هو: ولِمَ لا؟ وقد استضافت قطر من قبل مفاوضات ماراثونية أمريكية أفغانية، وأخرى أفغانية أفغانية، وفلسطينية فلسطينية، وأمريكية إيرانية، وسودانية، وتشادية، وإثيوبية، إلى غير ذلك مما يمكن أن ينبئ عن تطور جديد للدور القطري إقليمياً ودولياً، بعد استضافة نسخة مونديالية خيالية، فرضت خلالها الدوحة ثقافتها وعروبتها وعقيدتها على العالم أجمع، باقتدار غير مسبوق.

المؤكد أن المنطقة في ظل علاقات عربية تركية قوية، وعلاقات حسن جوار مع إيران، يمكن أن تحقق الكثير إيجاباً على كل الأصعدة، لما فيه صالح شعوب المنطقة، بل وصالح البشرية بشكل عام، وسط عالم غربي يئن من الأزمات السياسية والاقتصادية، بلغت مداها بالمواجهات العسكرية، القابلة للاتساع بين لحظة وأخرى، وهو ما يحتم على كل أصحاب الضمائر الحية، بذل الجهود في هذا الصدد، بمنأى عن الطائفية البغيضة، والمصالح السياسية الضيقة، خاصة إذا وضعنا نصب أعيننا أن لا أحد في العالم يحمل هموم الآخر، فما بالنا بمن يتصور أن هناك من يمكن أن يحارب أو يناضل من أجل أزمات الآخر، والقضية الفلسطينية نموذجاً.

المصدر : الجزيرة مباشر